بين الاحتياج والتوزيع.. العملية التعليمية غير عادلة

الجمعة 22 أكتوبر 2021 - 11:20 ص

المعلم ركن اساسي من أركان العملية التعليمية فهو القدوة والمثل لكل الطلاب على المستوى الاجتماعي، وعلى المستوى التنفيذي والسياسي فهو المنفذ لكل برامج التطوير والتحديث التي شملت العملية التعليمية ،وهو خط التعامل الأول مع الطلاب الذين يبلغ عددهم مايزيد عن 24 مليون طالب في مراحل التعليم المختلفة ، وبالتالي فإن التعامل مع المعلم قضية محورية تحتاج إلى توازن ووضوح للرؤية لتحقيق استراتيجيات التطوير واهداف التنمية المستدامة، وهذا ما سيتم تناوله خلال السطور القادمة.

إن اجمالي عدد الطلاب المقيدون في مراحل التعليم الأساسية "حكومي" 21,875,270 طالب وإجمالي الطلاب المقيدون بمراحل التعليم المختلفة في القطاع الخاص يصل ل "2,528,654، وعدد المعلمين في القطاع الحكومي 902,406 معلم يتوزعون في 48,580 مدرسة، وعلى 441,785 فصل وفي القطاع الخاص 113,294 معلم يتوزعون في 9,169 مدرسة و 76,768 فصل وفقًا لآخر إحصاء صادر عن الإدارة العامة لنظم المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابعة لوزارة التربية والتعليم 2020، وبناءًا على ما سبق فإنه يمكن القول بأن الكثافة الطلابية لكل معلم في القطاع الحكومي تصل إلى 24:1 أي معلم لكل 24 طالب، أما الكثافة الطلابية في القطاع الخاص فتصل إلى 22:1 أي معلم لكل 22 طالب، وهذه البيانات يؤكدها تقرير البنك الدولي للتعليم لعام 2018 (فيما يتعلق بالكثافة الطلابية لكل مدرس حصلت مصر المركز 50 من أصل 87 دولة)، وبتوزيع إجمالي المعلمين على إجمالي المدارس في القطاعين الحكومي والخاص نجد أنه في القطاع الحكومي، 18 معلم لكل مدرسة مقابل 12 معلم لكل مدرسة في القطاع الخاص، أي أن لكل فصل في التعليم الحكومي 2,42 معلم مقابل 1,47 معلم في التعليم الخاص.

وعلى صعيد المخصصات المالية لوزارة التربية والتعليم نجد أن قطاع التعليم يحصد المرتبة الثالثة من حيث المبالغ المرصودة بمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالى 2020/2021 بواقع 157,580 مليار جنيه بواقع ( 9,2 %) من إجمالى حجم المصروفات العام الجديد مقابل 120 مليار جنيه في العام المالي 2015/2016، أي أن الميزانية المخصصة للتعليم ارتفعت بواقع 40% تقريبا خلال خمس سنوات ويصل حجم مخصصات المعلمين من إجمالي الميزانية الحالية للتعليم 78%، زادت خلالهم أجور المعلمين بواقع 10% سنويًا أي بنسبة زيادة خلال خمس أعوام وصلت إلى 50% وذلك وفقًا لقانون كادر المعلمين وتعديلاته.
وبالمقارنة بدول العالم فالتجربة الفنلندية باعتبارها الدولة الحاصلة على المرتبة الاولى عالميًا في تصنيف التعليم وفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) نجد أن الكثافة الطلابية لكل مدرس هي 1:8 أي 8 طلاب لكل مدرس، وتصل الكثافة الطلابية للفصل 20 طالب، وهذه الأرقام في دولة يصل عدد سكانها إلى حوالي 6 مليون نسمة، مقابل 105 مليون نسمة في مصر بنسبة زيادة في الكثافة السكانية تصل إلى حوالي 20 ضعف، أما بالنسبة للكثافة الطلابية للفصول في فنلندا ومصر فتصل نسبة الزيادة إلى حوالي 2.5 ضعف فقط.

من هذه الأرقام والاحصائيات الموثقة نجد أن الفروقات متقاربة بشكل كبير في القطاعين الحكومي والخاص، ولا ينتج عنها الخلل الكبير الموجود في الواقع، والذي يمكن أن يكون ناتج عن المحتوى التعليمي أو الإدارة التعليمية والتكنولوجية الحديثة، أو كثافة الفصول، أو نقص المباني التعليمية، أو كثافة الطلاب، أو برامج تدريب المعلمين، وكلها ذات أهمية ولكن لن يتم التطرق إليها في هذا المقال، بل سيتم التطرق لزاوية سوء توزيع المعلمين والذي هو بالأساس سوء توزيع للموارد المالية منهابما يننعكس عل ما سبق من مشكلات، وفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 2020، فإن تعداد مدرسي محافظتي القاهرة والأسكندرية يبلغ عددهم على التوالي (312 ألف – 311 ألف) أي بفارق ألف مدرس فقط، على الرغم من الفوارق الكبيرة في الكثافة السكانية بين القاهرة والاسكندرية، مما ينتج عنه الكثافة الطلابية، هذا بالاضافة إلي أن محافظتي القاهرة والاسكندرية بهم أكثر من نصف عدد المدرسين على مستوى الجمهورية، وبالتالي فإن نصف الميزانية المخصصة للتعليم تذهب لهاتين المحافظتين (حوالي 80 مليار جنيًا) يتم صرف حوالي (63 مليار جنيه رواتب للمعلمين) نعم 63 مليار جنيه!! في حين أن هناك 25 محافظة أخرى في مصر تعاني من نتائج هذا الخلل، وعلى سبيل المثال محافظة الجيزة يصل عدد المعلمين فيها 54 ألف مدرس على الرغم من أن الكثافة السكانية للمحافظة تصل إلى حوالي 9 مليون نسمة، وتعتبر ثاني أكبر محافظات مصر بعد القاهرة، ومحافظة الغربية تصل لحوالي 57 ألف مدرس، وتعتبر هي أقل محافظات الدلتا من حيث الكثافة السكانية بواقع 5 مليون نسمة، هل هذه الأرقام تعكس التوزيع العادل للموارد المالية بما يحفظ مصلحة الطالب المصري؟ هل هذه الأرقام تعكس التوزيع العادل للموارد البشرية بما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص لكل الطلاب؟

ما سبق عرضه يبين أن المعلم وإن كان أحد مكونات العملية التعليمية إلا أن سوء التوزيع المرتبط به نتج عنه خلل مالي كبير يمكن معالجته لتحسين الجوانب الآخرة وهو ما حاولنا تناوله خلال المقال، وبما أن "التشخيص السليم لأي مشكلة أو مرض أول خطوات العلاج" وعليه فأتقدم بطرح مجموعة من الآليات والحلول قد تبدو مؤلمة وصعبة ولكنها لازمه وحتمية تخص زاوية سوء توزيع المدرسين والموارد المالية، -لان هذا المقال يختص بالحديث عن الخلل الكبير في توزيع الموارد المالية-، وتهدف في أساسها للحفاظ على مصلحة الطلاب بما يؤدي لرفع كفاءة العملية التعليمية وتحقيق استراتيجيات التطوير واهداف التنمية المستدامة 2030، ولتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص للطلاب في مختلف محافظات الجمهورية وفقًا للدستور المصري، وعليه فأولى هذه الآليات هو اعادة توزيع المدرسين على المدارس بحسب الاحتياج وبما يخدم الكثافة الطلابية وفقًا لقانون التعليم رقم 139 لسنة 1981 والمعدل بقانون كادر المعلمين رقم 155 لسنة 2007 ولائحته التنفيذية حتى لا يظلم طلاب محافظة على حساب طلاب محافظة أخرى ولا يظلم مدرسي محافظة على حساب مدرسي محافظة أخرى، ولا تعاني الأسر في محافظة على حساب الأخرى، كما هو الحال بالنسبة لمحافظة الاسكندرية حيث تستأثر بربع الميزانية وربع عدد المدرسين دون وجود كثافة طلابية تتناسب مع ما سبق، وقد بدأ وزير التربية والتعليم في تنفيذ ذلك حتى وصل عدد القضايا المرفوعه ضده (بصفته)، إلى 260 ألف قضية (معظمها قضايا نقل تعسفي)، وعليه فننتقل للآلية الثانية وهي لابد من أن تتكاتف الجهود الرقابية وخاصة جهاز التنظيم والإدارة بإعتباره الجهة المنوط بها دراسة الموظفين والوقوف على حجم العمل الفعلي لكل موظف في كل وظيفة في كل محافظة، أما ثالث هذه الآليات ضرورة إقامة نظام تقويم وتقييم لكل عناصر العملية التعليمية بشكل دوري وتوقيع العقوبات القانونية إن لزم الأمر طبقًا للقانون، رابع هذه الآليات حوكمة البيانات الخاصة بالمدرسين على مستوى المحافظات وربطها بمكتب تنسيق القبول للجامعات، لضبط توزيع كثافة طلبة الثانوية العامة على كليات التربية والتي وصل عددها 27 كلية على مستوى محافظات الجمهورية جميعها مرتبط بمكتب التنسيق، وهذا يمثل بناءً للكوادر البشرية بما يحقق الهدف منها وربطها بسوق العمل.

ختامًا، يمكننا القول بأن التعليم هو نقطة الانطلاق التى اعتمدت عليها استراتيجية التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 في بناء الكوادر، ومبادئ الجمهورية الجديدة التي تبنى على الشفافية والحوكمة، وامتلاك أسباب القوة على أسس المنافسة الجادة وسيظل تطوير التعليم أحد المفاتيح الحقيقية لحل المشكلات التى تعانى منها البلدان.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة