x قد يعجبك أيضا

جرينلاند.. الحلم الأمريكى القديم الذى يهدد «الناتو»

الثلاثاء 13 يناير 2026 - 6:50 م

 

لم تعد مطامع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى جرينلاند مجرد زلة خطابية أو نزوة عابرة لرئيس مولع بالخرائط والعقارات، بل تحوّلت فى الأسابيع الأخيرة إلى أزمة جيوسياسية مكتملة الأركان، تهدد بتقويض أحد أعمدة النظام الغربى بعد الحرب العالمية الثانية، أى حلف شمال الأطلسى (ناتو)؛ فحين يقول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب صراحة إن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك جرينلاند، وإن الأمر مسألة «أمن قومى» لا تقبل المساومة، فهو لا يبتدع فكرة جديدة، بل يحاول إنجاز حلم أمريكى قديم طال انتظاره.

التاريخ هنا لا يترك مجالًا للالتباس. منذ القرن التاسع عشر، نظرت واشنطن إلى جرينلاند بوصفها مفتاحًا استراتيجيًا للسيطرة على شمال الأطلسى. بعد شراء ألاسكا سنة 1867، طُرحت أفكار داخل الإدارة الأمريكية لضم جرينلاند وآيسلندا، قبل أن تُجهض سياسيًا. وفى عام 1946، عاد الرئيس هارى ترومان ليعرض على الدنمارك 100 مليون دولار ذهبًا مقابل الجزيرة، فى سياق الحرب الباردة وبحث الولايات المتحدة عن نقاط ارتكاز متقدمة فى مواجهة الاتحاد السوفييتى.

فشلت الصفقة، لكن واشنطن حصلت لاحقًا، سنة 1951، على ما هو أهم: وجود عسكرى دائم وقواعد استراتيجية، أبرزها قاعدة ثولى، التى تشكل حتى اليوم جزءًا من منظومة الإنذار المبكر الأمريكية.

• • •

الجديد مع ترامب ليس الاهتمام بجرينلاند، بل الأسلوب والرهان؛ فالرئيس الأمريكى لا يكتفى بالوضع القائم، الذى يمنح بلاده وصولًا عسكريًا شبه مطلق إلى الجزيرة، بل يريد الملكية الكاملة. منطق رجل الأعمال يطلّ بوضوح: الملكية تُدافع عنها الدول أكثر من الإيجار، والوجود الدائم أكثر ضمانًا من الاتفاقات. هكذا يرى ترامب المسألة، وهكذا يقدّمها لجمهوره الأمريكى باعتبارها «استثمارًا استراتيجيًا» فى عالم يتغير بسرعة بفعل ذوبان الجليد، وفتح طرق بحرية جديدة، وازدياد التنافس على الموارد النادرة فى القطب الشمالى.

لكن هذا الطموح، إذا مضى إلى نهايته، سيقصم ظهر حلف شمال الأطلسي؛ فجرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، والدنمارك عضو مؤسس فى الحلف؛ فأى محاولة أمريكية لفرض السيطرة، بالقوة أو بالضغط السياسى والاقتصادى، تعنى عمليًا اعتداءً على دولة حليفة؛ لهذا حذّر مسئولون أوروبيون صراحة من أن أى استيلاء أمريكى عسكرى على جرينلاند سيكون «نهاية الناتو»، ليس فقط من الناحية القانونية، بل من حيث الثقة والمعنى.. كيف يمكن لتحالف دفاعى أن يستمر إذا كان أقوى أعضائه مستعدًا لابتلاع أحد أضعفهم؟

• • •

الأخطر أن هذه الأزمة تعرى أوروبا فى لحظة ضعف تاريخية.. من الشرق، تنهشها روسيا عبر حرب طويلة فى أوكرانيا وضغوط عسكرية وسياسية متصاعدة على حدود البلطيق. ومن الشمال، تأتى الولايات المتحدة نفسها لتقويض الاستقرار، لا بحجة العداء، بل بذريعة الحماية. أوروبا تجد نفسها فجأة بين فكى كماشة: قوة روسية توسعية لا تخفى أطماعها، وحليف أمريكى يعيد تعريف التحالف بلغة المصالح الخالصة.

صحيح أن ترامب يبرر خطوته بالخوف من تمدد روسى وصينى فى القطب الشمالى، وهو خوف له ما يبرره جزئيًا فى ظل عسكرة موسكو للمنطقة وسعى بكين إلى «طريق حرير قطبى»، لكن المفارقة أن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا كل ما تحتاجه عسكريًا فى جرينلاند دون شراء الجزيرة أو ضمها. ما يتجاوز الأمن هنا هو السياسة، وما يتجاوز السياسة هو تصور جديد للعالم، يقوم على منطق النفوذ المباشر لا الشراكات.

• • •

فى المحصلة، ليست جرينلاند هى القضية وحدها، بل ما تمثله، إن إصرار ترامب على «امتلاكها» يكشف تحوّلًا أعمق فى العقل الاستراتيجى الأمريكى: من قيادة تحالفات إلى إدارة مناطق نفوذ، ومن احترام السيادة الشكلية إلى فرض الأمر الواقع. وإذا كان هذا النهج قد يحقق لترامب انتصارًا رمزيًا داخليًا، فإنه يضع الغرب كله أمام سؤال وجودى: هل ما زال التحالف الأطلسى قائمًا على القيم، أم أنه بات رهينة حسابات القوة وحدها؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير جرينلاند فقط بل شكل النظام الغربى فى السنوات المقبلة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة