هناك معادلة مهمة فى عالم السياسة تتعلق بالتوازن الدقيق بين مقتضيات السياسة والقرارات الحكومية من جهة وبين الرأى العام وتوجهاته من جهة أخرى، هذه المعادلة الصعبة تتطلب درجة عالية من الدقة والحذر فى التعامل، هذه المعادلة تتعلق بمدينة الإسكندرية، وهى مدينة ليست كأى مدينة من حيث ارتباط أهلها بها ومحبتهم العميقة لها، بل لا نبالغ إذا قلنا إن مدينة الإسكندرية هى المدينة الأثيرة والمحببة التى يتفق على محبتها وعشقها الشعب المصرى بأكمله.
• • •
مدينة الإسكندرية هى المدينة الأقدم والأكبر والأهم على الإطلاق ضمن سكندريات العالم، وهى تأتى فى الصدارة والعراقة، فى مقدمة 50 مدينة أخرى تحمل اسم الإسكندرية فى جميع أنحاء العالم فى الولايات المتحدة وروسيا وأستراليا وأسكتلندا وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا تركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا.
الإسكندرية التى تضم أكبر ميناء بحرى فى مصر والبحر المتوسط وأعرق مكتبة فى العالم، وهى العاصمة الثانية بتاريخها العريق وعمرها الممتد طوال 2400 سنة منذ أسسها الإسكندر الأكبر عام 332 ق.م، هذه المدينة العظيمة تقف اليوم أمام معضلة حقيقية بين متطلبات التطوير، وبين مقتضيات الحفاظ على هوية المدينة دون تغيير.
الإسكندرية وهويتها الجميلة التى تضم الآثار اليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية وقلعة قايتباى الشهيرة، والقصرين الملكيين فى المنتزة ورأس التين، ومبانيها وميادينها التاريخية فى المنشية ومحطة الرمل، تضم أيضًا معلمين شديدى الأهمية لارتباطهما الشديد بأهل الإسكندرية، وهما كورنيش المدينة على امتداد ساحلها البحرى، والخط التاريخى العريق لترام الرمل الذى أنشأ عام 1860.
• • •
أهل الإسكندرية طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية يشهدون ويعيشون تغييرات جذرية فى شكل وهوية مدينتهم، وبدأت تلك التغييرات بهدم وإزالة أكثر من 3 آلاف فيلا فى مختلف أحياء الإسكندرية، وتحويل أرضها وحدائقها إلى عمارات تجارية شاهقة دون أى ذوق معمارى ولا حضارى، والتباين صارخ بينها وبين العمارات الجميلة التى بناها المعماريون الإيطاليون والمصريون فى الأيام الجميلة للإسكندرية.
وفى الوقت الراهن تخطو الإسكندرية خطوات كبيرة نحو التحديث والتطوير، لا سيما فيما يتعلق بكورنيش المدينة الذى شهد توسعات غير مسبوقة فى طريق السيارات، فتحسنت الحركة المرورية وباتت أكثر سيولة وكفاءة بدرجة عالية يشهد لها الجميع.
هذا الجانب من التطوير أفسدته إقامة عشرات المقاهى والكافيهات على الكورنيش مباشرة متسببة فى حجب رؤية أهل المدينة لساحل ومياه البحر والأفق الجميل الذى اعتادوا عليه كجزء محبب لهم ولقلوبهم، فضلًا عن الآلاف من يافطات الإعلانات العملاقة التى تنتشر بعشوائية مقززة على أرصفة الكورنيش محدثة تشوه بصرى مروع ومتسببة فى حجب الرؤية وتشويهها أمام أعين أهل الإسكندرية.
بالرغم من ما يحتج به البعض من أن تلك المنشآت والإعلانات تحقق دخلًا للمحافظة وأنها تدفع ضرائب وتشغل العمالة، فإن الأمور لا يمكن الحكم عليها فقط بهذا المنطق، والرأى العام السكندرى فى حالة حزن ورفض لهذه المنشآت والإعلانات المرفوضة شكلًا موضوعًا، ناهيك عن شواطئ النقابات والهيئات التى تحجب رؤية البحر بأسوار حديدية وخشبية ليس لها مثيل فى أى مدينة متحضرة.
• • •
اليوم تقف الإسكندرية أمام قضية هامة تتعلق بمشروع تطوير الخط التاريخى لترام الرمل الذى يعد أحد المعالم التاريخية للمدينة منذ إنشائه عام 1860 وهو يعد حاليًا أحد أقدم الخطوط على مستوى العالم، كما أنه يضم وحدات ذات طابقين (دورين)، وهى من الوحدات النادرة التى ما زالت مشغلة حتى اليوم فى ثلاث مدن فقط على مستوى العالم هى الإسكندرية وليفربول وهونج كونج.
أهل الإسكندرية يعتبرون الخط التاريخى لترام الرمل جزءًا من كيان المدينة التاريخى وهويتها البصرية ومعالمها التاريخية السياحية التى تتميز بها عن أى مدينة أخرى فى مصر والعالم، فضلًا عن اعتباره شريانًا رئيسيًا للتنقل والخروجات والتنزه والسياحة بين أحياء المدينة العريقة، وارتباطه بجزء عزيز من حياتهم وذكرياتهم وهويتهم كسكندريين هم وعائلاتهم كل يوم للعمل والدراسة وحتى التنزه والخروج والفسحة.
• • •
أهل الإسكندرية اليوم ومنذ الإعلان عن مشروع تطوير الخط التاريخى لترام الرمل يؤيدون التطوير لكنهم يرفضون التغيير، ويطالبون بالإبقاء على الطابع التاريخى التقليدى لهذا الخط بنظامه الحالى، وهذا ما قامت به جميع المدن الأوروبية التى لديها خطوط مماثلة، مثل برلين وأمستردام وبروكسل وميلانو وهلسنكى ولشبونة وبودابست، وكذلك مدن شيكاغو وبوسطن ولوس آنجلوس.
السياسة والقرارات الحكومية تقيم الأمر باعتباره مشروع اقتصادى تنموى توافر له التمويل بشروط جيدة من الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 290 مليون يورو، مع استهدافه عمل تغيير شامل فى مسار الخط ووحداته ومحطاته إلى نمط حديث يشبه نظام المترو وإنشاء كبارى وأنفاق فى التقاطعات وعلى طول المسار.
أما أهل الإسكندرية فيعتبرون أن المشروع المقترح من حيث التوقيت غير مناسب على الإطلاق لتزامنه مع مشروع تطوير قطار أبوقير، والذى تسبب فى تحول أكثر من مليون مواطن لاستخدام سيارات الأجرة، الأمر الذى تسبب فى تزاحم وتكدس عجزت وسائل النقل العام عن معالجته، إذن فماذا سيحدث لو توقف خط الترام التاريخى هو الآخر فى ذلك الوقت الحرج؟
الجانب الآخر من اعتراض أهل الإسكندرية على المشروع يتمثل فى أنه سيلغى هوية الخط التاريخى للترام ويقضى على وجوده تمامًا، كما يحول مساره وتقاطعاته إلى كتل خرسانية ومنشآت أسمنتية قبيحة كفيلة بالقضاء على ما تبقى من الهوية البصرية لقلب مدينة الإسكندرية.
• • •
إن أروع وأجمل ما جاء بشأن ذلك الموضوع الشائك قد جاء من أهل الإسكندرية أنفسهم، حيث أجمعوا على رأى موجبه أن مشروع التطوير يجب أن يقوم على الاحتفاظ بكيان ومنظومة الخط التاريخى بأكملها، وأن يتضمن التطوير تنفيذ برامج جادة لتطوير وصيانة وتحديث الوحدات القائمة مثلما فعلت جميع المدن الكبرى فى العالم والتى لديها خطوط مماثلة، مع إضافة وحدات حديثة لمنظومة التشغيل، وعمل نظام إشارات ومرور حديث للتقاطعات.
الأمر إذن ليس معضلة معقدة أو قضية شائكة، فالسياسة والاعتبارات الاقتصادية البحتة لها حجيتها، لكن توجهات الرأى العام لأهل الإسكندرية ووجهة نظرهم هى أيضًا صحيحة تمامًا ولها وجاهتها من الناحية الحضارية والتاريخية والسياحية والمجتمعية، والمعادلة يمكن لها أن تحقق التوازن الدقيق بين طرفيها بقدر من الحكمة والرشد والعقلانية.
أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات