الخصوصية من أجل الناس

الثلاثاء 13 يناير 2026 - 6:50 م

 

لا أظن أن السوشيال ميديا تعرض خصوصية الناس إلى الانكشاف، ولكن الناس أنفسهم هم الذين يطرحون خصوصياتهم على الملأ، وهى حالة غريبة، تزداد يوما بعد يوم مع تفنن الأفراد فى الكشف عن حياتهم الخاصة.

نجد هذه الأيام حفلات زفاف، تحيط بها ممارسات تعرض خصوصية الزوجين الجديدين للانتهاك على وسائل التواصل الاجتماعى، وظهور عدد الشباب من الجنسين يتحدثون عن علاقاتهم الخاصة على السوشيال ميديا، فضلا عن تصدى البعض لإسداء نصائح حول الحياة الخاصة بين الزوجين، فيها كثير من الابتذال. من أبرز الأمثلة على ذلك ترويج لقطات مصورة خاصة على موقع تيك توك لمراحل تجهيز العروسين قبل الزفاف مثل تصفيف الشعر، والتقاط الصور التذكارية «فوتو سيشن»، والتى لا تخلو من استعراض وتباهى اجتماعى.

وتبدو إشكالية الخصوصية أكثر تعقيدًا..

أولا: هناك مواقع إلكترونية تقدم خدمات مجانية للأشخاص، يُقبل الناس عليها للمعرفة والتسلية دون دفع أى مقابل، ولكن لا يدرى هؤلاء المستخدمون أنه لا توجد وجبات مجانية على الفضاء الإلكترونى، وإن هذه الشركات تجنى أرباحًا طائلة من جراء بيع ما يتوفر لديها من بيانات شخصية عن المستخدمين لشركات الدعاية والإعلان.

ثانيا: لم يعد الشخص المعاصر قادرًا على الانفراد بذاته، نظرا لكثافة انتشار «كاميرات المراقبة» فى كل مكان، وتقدم تكنولوجيا التتبع المكانى للأشخاص، ورغم أهمية ذلك فى الحفاظ على حياة وممتلكات الأفراد، فإنه  من ناحية أخرى يشعر المرء بضيق الحيز الخاص المتاح له. أكثر من ذلك، صارت المبتكرات التكنولوجية مثل الهواتف الذكية «تكنولوجيا مؤنسنة»، إن صح التعبير، موجودة فى نفس الغرفة مع الشخص، يتفاعل معها، وتجعله فى تواصل مع آخرين غير موجودين فى نفس الحيز المكانى الذى يوجد فيه.

ثالثا: يرتبط الحق فى الخصوصية بحماية نفسية المجتمع؛ حيث إن البيانات التى يقدمها الأفراد أنفسهم قبل استخدام العديد من التطبيقات على الهاتف المحمول توفر قاعدة بيانات يمكن استخدمها فى ترويج اتجاهات استهلاكية، واتجاهات سياسية، وثقافية، واجتماعيًا. من هنا يصبح التأكيد على الحق فى الخصوصية حماية للمؤسسات الديمقراطية، وممارسة الأفراد لحقهم فى الاختيار السياسى، والتنافس الحر بين القوى والتيارات السياسية دون محاولة التأثير عليهم أو تزييف وعيهم. 

ورغم إننا فى كثير من الأحيان نوجه اللوم إلى الفضاء الرقمى فى سلب خصوصية الأفراد، بإرادتهم، فإن التكنولوجيا الحديثة فى الاتصالات باتت تعزز حقوق الأفراد فى الحياة الإنسانية الكريمة، مثل استخدام التواصل الإلكترونى فى تحديد احتياجات المجتمعات، وطرق تقديم الخدمة للأفراد، وأن يصبح ما يقدمونه من بيانات وسيلة أساسية فى تطوير نوعية الحياة التى يعيشونها، بدلا من إعادة تدوير هذه البيانات واستخدامها فى غير صالحهم. فى إحدى الدراسات التى قرأتها مؤخرا عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعى فى بعض القرى الإفريقية، اكتشفت أنه بعد وباء كوفيد ــ 19، وانتقال العالم إلى الفضاء الرقمى، استطاع سكان بعض المجتمعات الإفريقية استخدام السوشيال ميديا فى مناطق ريفية ونائية فى الحصول على خدمات، والشكوى من سوء الإدارة المحلية، والتعبير عن آرائهم.

من هنا ينبغى التفكير فى مسارات أكثر إيجابية للإفادة من التطورات التكنولوجية فى توسيع أرجاء الحق فى الخصوصية، بعيدا عن الاستغلال السياسى أو التوجيه الاستهلاكى، وهو ما يسعى العديد من الباحثين فى تطويره فى الفترة الأخيرة من خلال نقل استخدام التطبيقات وصفحات التواصل الاجتماعى المتنوعة وغيرها من أدوات الاتصال الالكترونى إلى المساحة الاجتماعية أو الإنسانية التى باتت المجتمعات بحاجة شديدة لها، وأن يصبح ما يقدمونه من بيانات وسيلة ناجعة لتطوير نوعية الحياة التى يعيشونها، بدلا من إعادة تدوير هذه البيانات واستخدامها فى غير صالحهم. إذا تحقق ذلك، فسوف تكون التكنولوجيا أداة مهمة فى حماية الحق فى الخصوصية، من زاوية تنموية وإنسانية، وتصبح المعلومات فى خدمة الإنسان.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة