ما بين الحرب على إيران وتصريحات مايك هاكابى

الثلاثاء 10 مارس 2026 - 5:40 م

 

قد يبدو للوهلة الأولى، فقط، أن ما أدلى به السفير الأمريكى لدى إسرائيل، مايك هاكابى، مؤخرًا، من تصريحات خلال اللقاء الذى أجراه معه، مقدم البرامج الأمريكى تاكر كارلسون، زعم فيها أن التراث التوراتى يمنح إسرائيل الحق فى أراض تمتد على معظم أنحاء الشرق الأوسط، مفارقًا للسياق الذى تشهده المنطقة، بيد أن نظرة أعمق إلى هذا السياق تكشف وجود رابط قوى بين الحرب التى تشنها، أمريكا وإسرائيل، منذ الثامن والعشرين من شهر فبراير 2026 حتى الآن، على إيران والرغبة فى تحقيق الرؤية التوراتية، التى أفصح عنها هاكابى.

يمكن القول، إن هاكابى يسعى إلى تطبيع الخطاب التوسعى الإسرائيلى نيابة عن الإسرائيليين أنفسهم. يتطلب تحقيق الرؤية التوراتية، التى تضمرها الحكومة المتطرفة فى إسرائيل، برئاسة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وثلة من اليمين المسيحى الصهيونى فى أمريكا، أيضًا، إعادة ترتيب الأوضاع فى المنطقة. يجرى تحقيق الرؤية التوراتية، بالفعل، على أرض الواقع خطوة خطوة على طريقة «التسلل البطىء» الذى انتهجته الحركة الصهيونية فى نهاية القرن التاسع عشر للحصول على موطئ قدم فى فلسطين.

خذ، مثلًا، القرارات التى صادق عليها المجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر للشئون الأمنية والسياسية فى 8/2/2026، قبيل توجه نتنياهو إلى واشنطن للقاء ترامب فى 11 فبراير، التى تتعلق بالضفة الغربية المحتلة، وتغير الواقع الفعلى فيها، وتصب، فى نهاية الأمر، فى مصلحة الضم الفعلى لها، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، وتقويض السلطة الفلسطينية، والقضاء على اتفاقيات أوسلو(1993م) ودق المسمار الأخير فى تابوت الدولة الفلسطينية المفترضة.

تقضى القرارات، ضمن أمور أخرى، برفع السرية عن سجلات ملكية الأراضى بالضفة الغربية، وإلغاء حظر بيع الأراضى لغير العرب، ما يعنى أن مناطق هائلة فى الضفة الغربية، تقدر بنحو 60% من مساحتها، ستصبح أراض دولة، أى أراضٍ إسرائيلية تستطيع إسرائيل التصرف فيها كيفما يحلو لها، من بناء مستوطنات وما شاكل ذلك، والأهم من ذلك حرمان الفلسطينيين منها، مع تمكين اليهود من شراء الأراضى بها.

أثارت القرارات ارتياحًا لدى دوائر عديدة فى إسرائيل، فقد باركها مجلس مستوطنات الضفة وغزة، وقال: «إن الحكومة أعلنت اليوم، قولًا وفعلًا، أن الأرض ملك لشعب إسرائيل، وأن الأمر يتعلق بترسيخ السيادة الإسرائيلية الفعلية»؛ وقال وزير المالية، والوزير بوزارة الحرب، بتسلئيل سموتريتش: «نحن ماضون فى الثورة الاستيطانية، وفى وضع اليد على كل مناطق (أرضنا). يجب القضاء على تهديد الدولة العربية الإرهابية (يقصد الدولة الفلسطينية المفترضة) وإلغاء اتفاقيات أوسلو، والمضى فى مسار استيطانى على امتداد الحدود»، وقال وزير القضاء، ياريف ليفين: «تمثل القرارات ثورة فعلية فى (يهودا والسامرة) أرض إسرائيل ملك لشعب إسرائيل. حكومة إسرائيل ملتزمة بتعميق التشبث بكل أجزاء هذه الأرض. ما كان يمكن المصادقة على هذه القرارات من دون دعم بنيامين نتنياهو لها».

• • •

هذا فيما يخص الأطماع الواضحة فى الضفة الغربية المحتلة. أما فيما يخص الأطماع فى الأراضى السورية، فإن الأمر يُسند إلى حركات استيطانية، تغض السلطات الطرف عن نشاطها، منها حركة تأسست عام 2025م، تطلق على نفسها اسم «طلائع الباشان». والباشان جزء لا يتجزأ من الأرض السورية؛ لكن وردت الإشارة إليها فى مواضع عديدة من أسفار التوراة فى سياق استيلاء بنى إسرائيل عليها، خلال غزوهم للمنطقة، وإبادة كل سكانها، كما يقول النص التوراتى فى الإصحاح الثالث من سفر «التثنية»: «ثم تحولنا وصعدنا فى طريق باشان، فخرج عوج ملك باشان للقائنا هو وجميع قومه للحرب فى إذرعى. فقال لى الرب (أى لموسى) لا تخف منه. لأنى قد دفعته إلى يدك وجميع قومه وأرضه. فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الأموريين الذى كان ساكنًا فى حشبون. فدفع الرب إلهنا إلى أيدينا عوج أيضا ملك باشان وجميع قومه، فضربناه حتى لم يبق له شارد. وأخذنا كل مدنه فى ذلك الوقت. لم تكن قرية لم نأخذها منهم».

عرضت الحركة الاستيطانية، المذكورة، رؤيتها بشأن منطقة باشان، وزعمت، استنادًا إلى النص التوراتى، أنها جزءا لا يتجزأ مما يُسمَّى «أرض إسرائيل»، وأن لإسرائيل حقًا تاريخيًا بها، فى أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، واستيلاء الجيش الإسرائيلى على جبل الشيخ، السورى، فى ديسمبر 2024م، وإعلان نتنياهو إلغاء اتفاق فصل القوات الموقع بين إسرائيل وسوريا فى عام 1974م. يقول أحد أعضاء الحركة الاستيطانية: «من لا يقبل وجودنا وحقنا التاريخى فى هذه الأرض - ليس له مكان فيها. إذا حاول أن يمسنا فسنبادر بالتأكيد بقتله. لكن من لديه استعداد للقبول بوجودنا فى هذه الأماكن من الأرض، فله مكان بها. فقد غيَّر الدروز فى سوريا، على سبيل المثال، اسم جبل الدروز إلى جبل الباشان».

فى 18 أغسطس عام 2025م، أقامت الحركة مراسم وضع حجر الأساس لمستوطنة أسموها "نفيه هباشان" فى قلب الأراضى السورية، وفى 29 يناير 2026م، وصلت عشر أسر من النواة الاستيطانية للحركة إلى موقع عسكرى بمدخل مدينة القنيطرة من أجل إقامة نقطة استيطانية فى المنطقة، وفى 19 يناير 2026م، حصلت الحركة على شهادة تقدير خلال مؤتمر لتكريم طلائع الاستيطان عقدته عضو الكنيست سون هار ميلخ من حزب «عوتسما يهوديت».

• • •

أما فيما يخص النوايا تجاه قطاع غزة، فإن الحركة الاستيطانية، التى تستمد اسمها من مفهوم الإرث الدينى للأرض، "نحلا"، التى تتزعمها الناشطة اليمينية، دانييلا فايس، تضع نصب عينيها تعزيز الاستيطان ليس فى قطاع غزة فقط، وإنما فى كل مناطق ما يُسمَّى "أرض إسرائيل الكاملة" من النيل إلى الفرات. أقامت الحركة بضع نويات استيطانية، تضم ما يزيد  على ألف أسرة، تنوى الاستيطان فى غزة فى الوقت المناسب، وعقدت مؤتمرًا صحفيًا فى مركز المؤتمرات بالقدس فى 28 يناير 2024م تحت عنوان: «عائدون إلى غزة…»، شارك فيه ما يزيد على 5000 شخص، من بينهم وزراء وخمسة عشر عضو كنيست- أى، نصف الائتلاف الحكومى تقريبًا، دعا خلالها المجتمعون رئيس الحكومة نتنياهو إلى إعادة الاستيطان فى غزة، وفى 1 سبتمبر 2025م، انتقلت نحو عشر أسر من النواة الاستيطانية، "طلائع غزة" التابعة لحركة، "نحلا"، للإقامة فى كرافانات بموقع مؤقت على بضع كيلومترات من القطاع استعدادًا للاستيطان فى شمال القطاع كمرحلة أولى، وفى شهر يناير 2025م، أعلن وزير الحرب، يسرائيل كاتس، أنه ينوى إقامة نويات من «الناحال» (مجموعات من الشباب المقاتل والاستيطانى فى الوقت نفسه) فى شمال قطاع غزة».

وفى 28 ديسمبر 2025م، عقدت جماعة الضغط من أجل الاستيطان اليهودى فى قطاع غزة مؤتمرًا فى الكنيست لتدشين نويات "الناحال" بالقطاع، شارك فيه أعضاء من الكنيست، وقادة عسكريون سابقون، وحاخامات، وممثلون لحركة "نحلا"، طالبوا خلاله، بالإضافة إلى إعادة الاستيطان فى القطاع، بطرد السكان منه.

وفى 26/ 2/ 2026م، اجتازت عضو الكنيست، ليمور سون هار ميلخ، العضو بحزب «عوتسما يهوديت، والناشطة فى حركة، «نحلا»، الحدود إلى داخل قطاع غزة مع عشرات من النشطاء للمرة الثانية خلال شهر واحد»، وقالت: «سيلعب أطفال وطفلات يهود فى شوارع غزة، وستقام مدن (يهودية) مزدهرة فى غزة (...) غزة ستكون يهودية».

• • •

وماذا عن الأطماع فى أراضى المملكة الأردنية الهاشمية- الضفة الشرقية لنهر الأردن؟ ثمة تنظيم يُسمَّى «وتلك أيضًا» (جملة من بيت شعر لجابوتنسكى بقصيدته الشهيرة: «شرق الأردن»، يقول: للنهر ضفتان: هذه -الغربية- لنا وتلك -الشرقية- أيضًا) يتزعم جهد الاستيلاء على الضفة الشرقية لنهر الأردن.

يرأس التنظيم بروفيسور، عاموس عزريا، أستاذ علوم الحاسب بجامعة أريئيل، البالغ من العمر 45 عامًا. لا يخفى عزريا نواياه تجاه أراضى المملكة الأردنية، حيث يؤكد أنه يختزن أحلامه فى هذا الشأن فى الوقت الحالى إلى اليوم الذى تسقط فيه المملكة الأردنية الهاشمية، مشيرًا إلى أنها مسألة وقت ومن الواضح أن هذا سيحدث.

يقول رفيق له فى التنظيم: «لدينا أمر إلهى، والأردن جزء مما وُعد به أبونا أفراهام. سيحدث هذا عاجلًا أم آجلًا فى سوريا، ولبنان، وغزة، وفى عبر الأردن أيضًا. أعتقد أن هذا سيحدث فى هذا الجيل، فى الـ25 سنة المقبلة».

• • •

يضع عزريا ورفاقه، جنوب لبنان، أيضًا، ضمن دائرة اهتماماتهم التوسعية، وقد أنشأوا، لهذا الغرض، تنظيمًا أسموه «استيقظى ياريح الشمال»، وهى تسمية مقتبسة من الإصحاح الرابع، الفقرة 16، بسفر «نشيد الأناشيد» بالتوراة، تقول: «استيقظى ياريح الشمال، وتعالى ياريح الجنوب، هبى على جنتى فتقطر أطيابها، ليأت حبيبى إلى جنته ويأكل ثمره النفيس». وقد اقتحم أعضاء التنظيم جنوب لبنان بضع مرات.

لقد انفتحت شهية اليمين الإسرائيلى، مدعومًا من اليمين المسيحى الصهيونى الأمريكى، على التوسع والتمدد، يراوده حلم ما يُسمّى «أرض إسرائيل الكاملة»، استنادًا إلى روايات توراتية، لا سند علميًا أو تاريخيًا لها.

من هنا، تبدو الحرب على إيران خطوة على طريق تهيئة الأرضية المناسبة لتحقيق الرؤية التوراتية، أو «الشرق الأوسط الجديد» بلغة الساسة.

 

أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة.

 

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة