x قد يعجبك أيضا

ترامب المتناقض.. حرب بلا نهاية.. أم نهاية بلا حرب؟

الثلاثاء 10 مارس 2026 - 5:50 م

 

فى أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، قال دونالد ترامب الشىء ونقيضه. الحرب على إيران «شبه مكتملة»، ثم عادت لتصبح «لم تبدأ بعد». الولايات المتحدة «انتصرت بالفعل»، لكنها فى الوقت نفسه «لم تحقق النصر الكامل». إيران «لم يعد لديها جيش»، لكنها ما تزال تمثل تهديدًا يستدعى مواصلة القصف.

ليست هذه مجرد زلة خطابية أخرى من رئيس أمريكى معروف بتقلباته. ما يحدث يكشف شيئًا أعمق بكثير: حربًا  بدأت قبل أن تتضح أهدافها، ورئيسًا يبدو وكأنه اكتشف فجأة أن إطلاق الصواريخ أسهل بكثير من صياغة استراتيجية للخروج من الحرب.

• • •

فى مقابلة هاتفية مع شبكة CBS الأمريكية يوم الإثنين الماضى، قال ترامب إن الحرب «مكتملة تقريبًا»، وإن الولايات المتحدة «متقدمة كثيرًا على الجدول الزمنى». الأسواق العالمية التقطت الرسالة بسرعة. النفط الذى كان قد قفز إلى حدود 120 دولارًا للبرميل بدأ بالانخفاض، وعادت الأسهم إلى الارتفاع. بدا للحظة أن الرئيس الأمريكى يلمح إلى نهاية سريعة لصراع هز الشرق الأوسط وأربك الاقتصاد العالمى.

لكن بعد ساعات قليلة فقط، تغيّر الخطاب بالكامل. أمام مشرعين جمهوريين فى فلوريدا أعلن ترامب أن الولايات المتحدة «انتصرت فى جوانب كثيرة.. لكنها لم تنتصر بما يكفى». ثم أضاف أن الحرب ستستمر حتى تحقيق «نصر كامل ونهائى». وهكذا، فى يوم واحد، تحولت العملية العسكرية من حرب «شبه منتهية» إلى حرب لم تبدأ بعد.

هذا الارتباك فى الرسائل ليس مجرد مشكلة تواصل سياسى. إنه يعكس مشكلة أعمق وهى «غموض الهدف الاستراتيجى نفسه». ما الذى تريد الولايات المتحدة تحقيقه فى إيران؟

الإجابات تختلف بحسب اللحظة. أحيانًا يتحدث ترامب عن القضاء على البرنامج النووى الإيرانى. أحيانًا أخرى يركز على تدمير القدرات الصاروخية لطهران. وفى خطابات أخرى يلمح إلى هدف أكثر طموحًا: تغيير النظام نفسه. وبين هذه الأهداف الثلاثة مسافة هائلة. الأولى عسكرية محدودة، الثانية استراتيجية طويلة، أما الثالثة فهى مشروع لإعادة تشكيل دولة بأكملها.

• • •

تاريخ الشرق الأوسط ملىء بالأمثلة التى تُظهر أن هذه المشاريع لا تنتهى كما يُخطط لها فى واشنطن. الأكثر دلالة هو ما لم يحدث فى الداخل الإيرانى. كانت حسابات كثيرين فى واشنطن تقوم على فرضية بسيطة: اغتيال المرشد الأعلى على خامنئى، مقرونًا بضربات جوية مكثفة، سيطلق انتفاضة شعبية تسقط النظام من الداخل. التصور كان أن الإيرانيين سيخرجون إلى الشوارع مع أول موجة قصف.

لكن إيران ليست لوحة شطرنج يمكن تحريكها بضربة جوية. إنها مجتمع معقد، متعدد الأعراق والانقسامات السياسية. صحيح أن النظام يواجه استياءً شعبيًا واسعًا، لكن التاريخ يظهر أن الحروب الخارجية غالبًا ما تمنح الأنظمة المحاصرة فرصة لإعادة تعبئة الداخل باسم الدفاع عن الوطن.

وهذا ما يبدو أنه يحدث الآن. فبدلًا من الانهيار، أعادت النخبة الحاكمة ترتيب صفوفها بسرعة. جرى اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، خلفًا لوالده. الرسالة السياسية واضحة: النظام لم يسقط، بل أعاد إنتاج نفسه فى ظرف استثنائى.

وهنا يبدأ المأزق الحقيقى لواشنطن. الرئيس الأمريكى الذى وعد بانتصار سريع يجد نفسه أمام حرب تتسع جغرافيتها وتتزايد كلفتها. الملاحة فى مضيق هرمز ما تزال مضطربة. أسعار الطاقة ارتفعت. القواعد الأمريكية فى المنطقة تعرضت لهجمات. وفى لبنان والخليج تتسع رقعة المواجهة.

• • •

لكن الخطر الأكبر ليس فى استمرار الحرب، بل فى احتمال ما قد يأتى بعدها؛ فانهيار النظام الإيرانى، إن حدث فجأة، لن يعنى بالضرورة ولادة ديمقراطية ليبرالية فى طهران. قد يعنى أيضًا فراغًا سياسيًا فى دولة يزيد عدد سكانها على تسعين مليون نسمة، ويضم فسيفساء من القوميات والمناطق المتوترة. فى مثل هذا السيناريو، قد تتحول إيران إلى ساحة صراع داخلى طويل، وهو احتمال لا تستطيع المنطقة ولا أوروبا ولا حتى الولايات المتحدة تحمل تبعاته.

لهذا يبدو ترامب اليوم وكأنه يتأرجح بين خطابين متناقضين: خطاب النصر الذى يحتاجه سياسيًا فى واشنطن، وخطاب الحرب الطويلة الذى تفرضه الوقائع العسكرية.

لكن المشكلة ليست فى هذا التناقض وحده. المشكلة أن الحرب، بعد عشرة أيام فقط من اندلاعها، تبدو وكأنها سبقت استراتيجيتها. وكأن القرار العسكرى اتخذ أولًا، بينما ما تزال الأسئلة الأساسية معلقة: ما الهدف النهائى؟ وما هو تعريف النصر؟ والأهم من ذلك كله: كيف يمكن لهذه الحرب أن تنتهى؟

هذه الأسئلة، حتى الآن، لا تبدو واضحة.. حتى للرجل الذى بدأها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة