كان العرب فى الجاهلية، رغم أميتهم، يحتاجون إلى تنظيم أوقات رحيلهم مع ماشيتهم إلى مواضع الخصب فى مواسم المطر، وكذلك أوقات العودة والقعود عن الترحال فى مواسم الجفاف والقيظ، وأيضًا مواعيد مواسم الحج والتجارة. وبالقطع اختلفت هذه المواقيت من مكان إلى آخر فى شبه الجزيرة العربية، ومن قبيلة إلى أخرى. وتدلنا النصوص القديمة على أن توقيت مواسم العام ارتبط عند العرب بملاحظة النجوم؛ حيث كان يسمى علم معرفة مواضع النجوم بعلم الأنواء، ومفردها نوء (ويعتقد بعض الباحثين أن لفظة نوء هى تحريف العرب لاسم نوت، وهى ربة السماء عند قدماء المصريين).
كان العرب يعرفون أزمنة الشروق الاحتراقى والغروب الأفولى للنجوم والمجموعات النجمية، وهو ما كانوا يسمونه بطلوع النجوم وسقوطها. وكان أهم هذه النجوم بالنسبة لهم هى الثريا، ثم سهيل، ثم السماك الأعزل، والسماك الرامح. كان سهيل يطلع فى النصف الأول من أغسطس قرب نهاية الصيف، ويغيب أو يأفل فى النصف الثانى من أبريل. وبالتالى، كان طلوع سهيل إيذانًا بقرب فصل الخريف، وعليه يشد العرب الرحال إلى البادية للرعى فيما يسمى بالظعن الأول.
أما عن السماك الأعزل، فطلوعه يؤذن بقدوم الشتاء، ونزوله يؤذن ببداية الربيع، فطلوعه يحدث فى الأسبوع الأول من أكتوبر، ونزوله يحدث فى النصف الأول من أبريل. بينما يؤذن طلوع السماك الرامح بنهاية الربيع وبدء الصيف، حيث يطلع فى النصف الثانى من مايو. وبالتالى، كان طلوع السماك الرامح (أو نزول السماك الأعزل) هو توقيت ترحال القبائل نحو العودة إلى دور الإقامة، أو ما يسمى بالظعن الثانى.
أما الثريا، فكان طلوعها فى منتصف مايو يؤذن ببداية فترة القيظ أو الحر الشديد، والتى تنتهى بطلوع سهيل فى منتصف أغسطس. وفى هذه الفترة تكون القبائل قد عادت من رعيها وأقامت فى أماكنها قرب المياه انتظارًا لنهاية القيظ. وهكذا كانت السنة عند العرب مقسمة إلى فصلين أو موسمين حسب حالة الطقس والأجواء، وارتباطهما بالترحال أو القعود؛ ثلثا السنة لموسم الرعي، وثلثها لموسم القعود.
• • •
فى مرحلة ما، تم تسمية هذه الفصول كالآتى: فصل الصفرية (بين طلوع سهيل وطلوع السماك الأعزل) ويبدأ فيه الظعن الأول، وفصل الربيع أو الجمادى (بين طلوع السماك الأعزل وأفوله) وهو موسم الرعى والمطر، وفصل الصيف أو الربيع الثانى (بين أفول السماك الأعزل وطلوع الثريا) ويبدأ فيه الظعن الثاني، ثم فصل القيظ (بين طلوع سهيل وطلوع الثريا) وفيه تقعد القبائل فى أماكنها. وهكذا قسمت السنة إلى فصول غير متساوية مرتبطة بنشاط القبائل العربية وظروف معيشتها.
فى مرحلة لاحقة، تطورت طرق تحديد المواقيت عبر ملاحظة موقع القمر بالنسبة إلى النجوم فى كل ليلة من ليالى المساء، فيما سمى بمنازل القمر، حيث قُسمت السماء إلى 28 منزلاً يتنقل بينهم القمر عبر العام، كل منها يبلغ 13 يومًا عدا المنزل الأخير مدته 14 يومًا، وهو ما يساوى 365 يومًا، وهى نفس المدة التى تقطعها الأرض فى دورتها حول الشمس، أى سنة شمسية كاملة.
استخدم العرب هذه المنازل، أى مواضع النجوم وموقع القمر منها، فى تحديد مدة الحول أو السنة. فعندما يكون القمر فى ليلة معينة أقرب ما يكون للثريا، فإنه سيعود ليلاقيها مجددًا فى نفس النقطة بعد 365 يومًا، وهو ما سمى بـ«حول الثريا»، أى سنة الثريا. ولتعويض الربع يوم الزائد، كان العرب يضيفون إلى أحد المنازل يومًا كل أربع سنوات، حتى لا يتأخر حول الثريا عن موعد شروقها السنوى فى حالة عدم زيادة هذا اليوم. وبناءً على ذلك، نستطيع القول إن العرب فى الجاهلية كانوا يتبعون تقويماً قمريًا ــ نجميًا. ويعتقد أن مثل هذا التقويم استُخدم فى المعاملات التجارية والمالية.
كذلك لاحظ العرب وجوه القمر ودورته من الهلال إلى الهلال، وهى ما أسموها الشهر. وبناءً على ذلك، تم تقسيم فصول السنة الأربعة إلى شهور تبدأ بظهور الهلال الجديد. ففصل الصفرية مدته تقريبًا شهران، سميا بالصفران، وفصل الربيع (أو الجمادى) مدته تقريبًا ستة أشهر، سميا بالربيعان والجمادان والرجبان (فى نهاية موسم المطر كان العرب يذبحون الماشية الزائدة عن الحاجة ويجففون لحومها قبل فصل القيظ، فيما سمى بأيام الترجيب أو الرجب).
ثم موسم الصيف (أو الربيع الثانى) ومدته شهر واحد تقريبًا، سمى شعبان (حيث كان يشهد بداية الظعن الثاني، حيث تتشعب القبائل فى عودتها لمساكنها بعد نهاية الرعى). ثم موسم القيظ ومدته ثلاثة أشهر، وهم رمضان (من الرمض وهو شدة الحرارة)، وشوال (من الشول وهو حين يجف اللبن فى ضرع الأبل)، وذو القعدة (من قعود القبائل عن الترحال فى فصل القيظ). ونستطيع بسهولة ملاحظة معظم أسماء الشهور الحالية للتقويم الهجرى فى هذه الأسماء القديمة.
• • •
كان العرب فى جاهليتهم يحجون إلى البيت فى مكة مرتين فى العام: الأولى فى نهاية الصيف وبداية الخريف مع طلوع السهيل، أى ما يقابل شهرى ذو القعدة وذو الحجة، فيما يسمى بالحج الأكبر، وأخرى فى نهاية الربيع فى شهر رجب، وكان يسمى بالحج الأصغر. وكان الذبح أو النحر مقترنًا بالمناسبتين، حيث يذبح شاة فى الحج الأكبر وأخرى فى الأصغر، سميت بالعتيرة. ونلاحظ أن مواسم الحج هنا مرتبطة بأوقات قعود القبائل عن الترحال فى فصل الصيف فى حالة الحج الأكبر، وبداية عودتها من مرحلة الرعى فى موسم الترجيب. وبالتالى، كان يجب على هذه المواسم، المرتبطة كذلك بمواسم التجارة، أن تبقى فى نفس التوقيت كل عام لارتباطها بالمواسم المناخية.
أدرك العرب سريعًا أن هذه الشهور لن تبقى فى مكانها بهذه الطريقة، لأن 12 شهرًا قمريًا أقل من الحول أو السنة كما أدركوها من منازل القمر والنجوم؛ لهذا كان لا بد من زيادة شهر كل فترة من الزمن، كما فعلت الحضارات الأخرى من قبلهم. ولذلك، كان التقويم العربى الجاهلى، كما قرر أغلب المؤرخين والباحثين، تقويما مشابهًا للتقويم البابلى والتقويم العبرى من حيث كونه تقويما قمريًا ــ شمسيًا. ويذكر المسعودى فى كتابه مروج الذهب أن العرب كانوا يضيفون شهرًا كبيسًا للسنة كل ثلاث سنوات، ويسمونه النسىء. إلا أن البيرونى يقول إن الكبس كان يحدث عن طريق إضافة تسعة شهور إضافية فى دورة مكونة من 24 عامًا. أما بالاعتماد على الطبرى والقرطبى، فنجد أنهما ذكرا أنهم كانوا يكبسون شهرًا كل عامين، أى 12 شهرًا كل 24 عامًا. فى كل الأحوال، كان الهدف من الكبس هو إبقاء مواسم الحج والتجارة فى مواعيد ثابتة نسبيًا تبعًا لأحوال المناخ فى شبه الجزيرة العربية.
ومن الملحوظات المثيرة أن كلمة النسىء التى أُطلقت على الشهر الزائد، ومنها كلمتا الناسىء والنسأة، أن «الناسىء» كان لقبًا يطلق على رجل من قبيلة بنى كنانة، كان مكلفًا بتحديد متى يتم إضافة الشهر الإضافى وإبلاغ القبائل العربية بذلك، كما ذكر الطبرى والسهيلى. ولاحظ بعض الباحثين أن كلمة النسىء تطابق نفس اللفظ بالنطق فى اللغة العبرية بمعنى أمير أو رئيس، وهو لقب رئيس مجلس كهنة اليهود المسمى بالسنهدرين، وكان مكلفًا بتحديد بداية الشهور وتوقيت إضافة الشهر الكبيس فى التقويم العبرى عند اليهود. وهو ما قد يرجح أن الكلمة انتقلت إلى العربية بمعناها نفسه فى مرحلة ما.
إلا أن عددًا من المؤرخين القدماء وبعض الباحثين المعاصرين يذهبون إلى أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا الكبس، أى أن تقويمهم كان بلا أعوام كبيسة، أى تقويما قمريًا صرفًا يتحرك عبر العام، إلا أن ذلك يبقى غير مرجح. واختلاف الآراء هنا ناتج عن أن تاريخ العرب قبل الإسلام لم يُكتب إلا فيما بعد القرن الثانى الهجرى، وبالتالى من الصعب التأكد بصورة كاملة لغياب أى روايات معاصرة أو نصوص قديمة، ولتضارب روايات المؤرخين المسلمين الأوائل من غير المعاصرين.
ولكن جاء الإسلام وقام بتغيير شامل فى كل حياة العرب، بما فيها تقويمهم ومواسمهم.
مدرس بكلية الهندسة، جامعة القاهرة