(1)
نشاط ثقافى ملموس يقوده الكاتب والإعلامى الأستاذ أحمد المسلمانى فى الهيئة الوطنية للإعلام فى الآونة الأخيرة. لا أقصد فقط محاولاته المحمومة لاستعادة «ماسبيرو» كقيمة وطنية ومؤسسة عريقة حفظت الذاكرة المصرية والعربية، منذ تأسيسه فى ستينيات القرن الماضى وحتى وقتنا هذا، وإنما أيضًا على صعيد استثمار الرأسمال الرمزى لماسبيرو، ومكانته وتاريخه وعراقته وموقعه.. إلخ، ليكون بؤرة نشطة من بؤر الحراك الفكرى والثقافى والمجتمعى المهم والضرورى فى مواجهة أزماتنا وتحدياتنا التى لا تنتهى.
فى الأسبوع الماضى، نظم (صالون ماسبيرو) لقاءين مهمين استضاف فيهما اسمين كبيرين فى عالم الصحافة والسياسة والأدب والثقافة؛ شهد اللقاء الأول منهما استضافة الكاتب الكبير الأستاذ عبدالله السناوى، ليتحدث عن كتابه المهم «أحاديث برقاش - هيكل بلا حواجز» (صدرت طبعته الأولى عن دار الشروق 2017)، فى مناسبة مرور عشر سنوات على رحيل الأستاذ هيكل واللقاء الثاني مع الشاعر والكاتب الكبير فاروق جويدة.
وأعترف أننى كنت حريصًا غاية الحرص على حضور هذا اللقاء، خصوصًا أن الكتاب الذى صدر قبل تسع سنوات (عقب رحيل الأستاذ هيكل بعام واحد) اشتمل على جملة من المميزات والخصائص التى جعلته واحدًا من أفضل وأميز الكتب التى قاربت التجربة الإنسانية والمهنية للأستاذ هيكل، وبخاصة فى السنوات الست عشرة التى سبقت رحيله.
(2)
لعل من أبرز ما استلفتنى فى حديث الأستاذ عبدالله السناوى العذب طوال ما يقرب من الساعة، حرصه الشديد على إظهار البعد «الإنسانى» فى علاقته بالأستاذ هيكل، ليس بالحديث المطول والمفصل الذى لا يعنى الجمهور أو الحضور فى شىء من قريب أو بعيد، أو تستغرقه التفاصيل غير المهمة، ولا تمثل إضافة من أى نوع، كما هو السائد الآن فى أحاديثنا العامة، وإنما بالإشارات الدقيقة واضحة الدلالة على «القيم» التى جسدها الأستاذ هيكل فى حياته العامة والخاصة على السواء.
إن قيمة القامات الكبرى فى السياسة والصحافة والفكر والأدب والفن تتمثل فيما تتركه من مدارس فكر وتأثير وامتدادات لهذا التأثير. وما يسرى على رئاسات الدول لا ينطبق على مفكريها ومبدعيها؛ نعم، هذا صحيح. فقوة الفكر فوق قوة أى سلطة فى أى حساب أخير.
وهكذا، فإن ما يتبقى من الرجل الذى غادرنا قبل عشر سنوات هو الكثير جدًا من القيم والمسارات؛ تتمثل في:
هيكل التنظيم والإدارة، هيكل المؤسسة والتخطيط، هيكل التاريخ والتوثيق والأرشفة والتحليل، هيكل الموسوعية والرؤية الكلية، والتقاط الجوهرى «الاستراتيجى» فى كل ما يدور حولنا على سطح هذا الكوكب، هيكل الأستاذ والداعم والمساند للأجيال الجديدة والتجارب المستجدة.. إلخ.
كانت هذه «الإشارات» الذهبية التى بثها الأستاذ السناوى فى حديثه من أثمن وأقيم ما خرجت به من هذا اللقاء على الإطلاق.
(3)
على صعيد موازٍ، كان اللقاء فرصة طيبة لاستعادة بعض ما أثار إعجابى الشديد وتقديرى المضاعف بالكتاب (والكتاب أهل لذلك ابتداءً بموضوعه وشخصيته المحورية، ومؤلفه وناشره على السواء). لم ينتقص منه أبدًا مرور تسع سنوات على صدوره، بل زادت أهميته وقيمته، بما يستدعى حضوره والعودة إليه والاستئناس بمادته وأفكاره ومداخله المنظمة لتجربة الأستاذ هيكل.
ولهذا أشرت فى مداخلتى خلال المناقشة إلى أن «أحاديث برقاش» بالفعل من أهم هذه الكتب وأكثرها قربًا، على الحقيقة لا المجاز، من عقل وفكر وتكوين الأستاذ.
قد نتفق أو نختلف حول بعض ما كتبه أو أعلنه الأستاذ هيكل من رأى أو أنتجه من تحليل، لكن أظن أن لا أحد يختلف على أنه أهم وأعظم صحفى مصرى (وأقول عربيًا أيضًا) ظهر فى القرن الماضي؛ عبقرية خالصة، بنى مجده وصنع أسطورته بمزيج فريد من موهبة ضخمة وثقافة عريضة، ووعى حاد، وعشق يصل حد الفناء للصحافة والتاريخ والكتابة.
فى رأيى، وأظن أن كثيرين يشتركون معى فيه، أن الأستاذ «روائى من الطبقة الأولى الممتازة» ضل طريقه إلى الصحافة (فى الحقيقة هو لم يضل، بل كان واعيًا تمامًا بمساره الذى اختار). لغة الأستاذ هيكل وصياغاته الأسلوبية كنز حقيقى بين أيدى الدارسين والباحثين؛ بل أزعم أن كتاباته، على جديتها ووفرة المعلومات التى تحتويها والوثائق التى يستند إليها، تسرى فيها روح الدراما الأصيلة؛ الدراما التى تقوم على الصراع والتناقض وتمتد بجذورها إلى أصلها الإغريقى فى ثنائية الخير والشر، والإنسان فى مواجهة القدر.
(4)
فى التحليل الأخير، فإن الكتاب ينتمى إلى دائرة التأريخ الإنسانى والمهنى، فى مزيج بديع بين الذاتى والموضوعى، وبصورة أو أخرى هو قطعة حقيقية ودالة كذلك من حياة كاتبه الأستاذ عبدالله السناوى نفسه، فهو يحضر بقدر ما تستدعيه الحوادث، وبقدر ما يستلزم إكمال الرواية وإضاءة الصورة.
وإذا كان لكل تجربة إنسانية، أو سياسية، أو مهنية مسارها الخاص، فهناك مسارات استثنائية لبشر استثنائيين؛ ومنهم الأستاذ هيكل، الذى كانت حياته وتجربته كلها «استثنائية» بكل المقاييس؛ استثنائية بما أتيح لها من خبرات حصلتها، وحوادث عاينتها، وشخصيات التقتها، واستثنائية حتى بقيمة من تصدى للكتابة الجادة عنها وتحليل جوانب وأبعاد هذه التجربة «الاستثنائية» فى كتابة افتقدناها زمنًا طويلًا.