أطياف الإسكندرية
السبت 16 مايو 2026 - 6:25 م
وأنا أصعد درج البيت الذى أقام فيه الشاعر اليونانى - السكندرى قسطنطين كفافيس لمدة 25 سنة قبل وفاته عام 1933، تخيلت هؤلاء الذين أمسكوا بالدرابزين حينما كانوا يأتون لزيارته، أسماء لامعة من الكتاب والفلاسفة عرفوا طريقهم إلى شقة الدور الثانى التى تردد عليها فورستر ومارينيتى وكازانتزاكيس وتسيركاس. وحين دخلت من الباب، شعرت أننى دلفت إلى زمن آخر أحاطت به تلك الجدران وحفظته بعناية لسنوات طوال. أتلمس خطوات الشاعر.. أتجه نحو النافذة لأستشرف العالم من خلاله، هل كانت عيناه تقعان على المنظر نفسه أم تغير المشهد كثيرا؟ أكتشف مبنى بديع نُقِش عليه اسم صاحبه «محمد فيطر»، استنتج أن المنزل له حكاية أقدم من تاريخ تلك النقوش، وبالفعل يتضح لى أنه أنشئ عام 1908 على يد أحد أبناء الجالية اليونانية، ثم بيع لاحقا إلى تاجر مصرى يدعى محمد فيطر عام 1965، قام بإعادة تصميم الواجهة مستلهما جزئيا العمارة الإيطالية ومتجر هارودز الشهير بلندن، وأضاف زخارف تحمل الأحرف الأولى من اسمه. أى إن المبنى شُيِد بعد مجىء كفافيس للعيش فى هذه الشقة بسنة واحدة، وكان يطل عليه مثلما أفعل. ذكر فى كتاباته وجود بيت دعارة فى الطابق السفلى ومستشفى فى الجهة المقابلة وكنيسة يونانية أرثوذكسية فى الجوار.
شرح لنا الموظف الأسمر، الذى يعمل حاليا فى متحف كفافيس والذى ارتبطت عائلته على ما يبدو بالجالية اليونانية بالإسكندرية لذا يعرف قصة كفافيس وآخرين ممن سبقونا إلى هنا عن غيب، أن هذه الشقة تحولت إلى «بنسيون أمير» فى الفترة من السبعينيات إلى بداية التسعينيات. أشار إلى لافتة كُتِب عليها اسم البنسيون بخط النسخ وبالفرنسية احتفظوا بها فى المكان بعد أن تمت عمليات الترميم والصيانة وتحولت الشقة إلى متحف تُشرِف عليه مؤسسة أوناسيس منذ عام 1992، ويفتح أبوابه للجمهور كل أيام الأسبوع ماعدا الإثنين من العاشرة صباحا إلى الخامسة مساءً. يذكر الموظف اسم صاحب البنسيون - عم محروس الشافعى - وتفاصيل أخرى عن مصير أثاث ومقتنيات كفافيس وكيف اقتفت المؤسسة أثرها حتى استعادت بعض ممتلكاته ووضعتها فى مقرها بأثينا، أما ما نراه فى الشقة اليوم فهو استنساخ لبعض القطع الأصلية، بالإضافة إلى العديد من الأوراق الشخصية والمستندات والمراسلات والكتابات التى تسمح لنا بتتبع مسيرة الشاعر الميتم بالإسكندرية حيث ولد عام 1863 بحى المنشية.
• • •
أقطع حجرات المتحف ذهابا وإيابا بحثا عن ملامح حيواته السابقة، عن التفاصيل الصغيرة التى لا نجدها فى الكتب. أتجول بنظرى ناحية سلالم الخدم وبعض ما تُرك فيها أو راكمه أصحابها، ثم اندفع باتجاه غرفة أخرى تطل على قطعة أرض فضاء لا أعرف ما الذى كان موجودا مكانها، نما فيها العشب واقتحمتها أشجار شيطانية تدل على أنها مهجورة من فترة. أتخيل ما نقص من معلومات وأنسج تفاصيل أخرى من عندى، فالخيال هو الذى يضفى حقيقة ومصداقية على أى مكان ويعيد صياغة الماضى. وأنا أهوى هذه اللعبة، فهناك دوما شىء ما يترك بصمته فى الهواء. أتوقف أمام قصيدة لكفافيس مترجمة إلى العربية بعنوان «شمس الأصيل» يقول فيها: «أعرف هذه الغرفة جيدا. الآن يؤجرونها هى والغرفة المجاورة لها كمكاتب، البيت كله أصبح مبنى لما كتب الوكلاء، والتجار، والشركات. هذه الغرفة كم هى أليفة. السرير كان هنا، بجوار الباب، وسجادة تركية أمامه. بجانبه، الرف بالزهريتين الصفراوين. على اليمين - لا، فى المواجهة، دولاب بمرآة. فى الوسط، المنضدة حيث كان يكتب، والكراسى الخيزران الكبيرة الثلاثة».
أحب اقتفاء أثر الأماكن والأشخاص مثله، وقد عُرِف ببراعته فى مزج حاضر المدينة بماضيها حتى صارت إسكندريته لا تشبه غيرها ولا تشبه تماما تلك المدينة التى عرفها معاصروه. فى هذه الشقة دشن رسميا غرامه بها، وربما تصالح أكثر مع هويته الجنسية. لم يغادرها على متن سفينة كما فعل عوليس، البطل الأسطورى الإغريقى، الذى كتب عنه وعن رحلته وعودته إلى وطنه بعد حرب طروادة، بل ظل مقيما فيها وهائما على وجهه يشرد ويخلط حيواتها السابقة، ففى قصائده مثلا نجد «يوريون» قد خرج من قبره، وهو أحد تلامذة أرسطوقليس أو أفلاطون وقد توفى وهو فى الخامسة والعشرين من عمره، نجده يمشى منتشيا فى شوارع الإسكندرية، ولا ندرى فى النهاية عن أى «يوريون» يتحدث القديم أم المعاصر، فالأزمنة تتداخل ويصبح المكان هو البطل، إذ تمتزج المدينة الهلنستية بالإسكندرية التى كانت مركزا لتجارة القطن فى وقته وجمعت بشر من كل حدب وصوب. «يوريون» الذى يصفه فى قصيدتين منفصلتين يتحول إلى طيف ضمن أطياف الإسكندرية التى يتتبعها كفافيس ونتتبعها معه.
• • •
المكان الجغرافى لم يعد ولم يكن أبدا محايدا فهو محمل بتجارب وذكريات وأبعاد نفسية ووجدانية عميقة تجعله شخصا قائما بذاته، وفى حالة الإسكندرية على وجه الخصوص نحن بصدد عملية بحث دائمة عن فردوس مفقود، عن أساطير تراكمت عبر العصور طبقات فوق بعضها البعض وتناثرت أجزاؤها، لذا فمن المغرى إعادة تشكيلها وتخيل ما ضاع. وحياة كفافيس التى نعيد اكتشافها من خلال متحفه أصبحت تدريجيا جزءا من أساطير المدينة المتناثرة والتى تتطاير فى الجو مع الغبار... نظارته البنية المرقطة بإطارها المستدير، علبة الدخان الصغيرة الصفراء المدون عليها «سجائر إيرما، تبغ تركى، القاهرة - مالطا»، أوراق الثبوتية والصور الفوتوغرافية، تصاريح الدخول للأماكن المختلفة التى عمل بها ومن بينها مصلحة التلغراف، شجرة العائلة المتشعبة التى تنقل أفرادها حول العالم بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية... كلها عناصر تسمح بتتبع أطياف المدينة كما تتبعنا هى، وكأننا نسمع صوت كفافيس ينطلق قائلا: «لن تجد أماكن أخرى، وبحارا أخرى، فالمدينة ستتبعك. وستمشى فى نفس الشوارع، وفى نفس المناطق تشيخ، وفى نفس هذه البيوت ترقب نفسك وأنت تشيب. وستنتهى دائما إلى هذه المدينة. فلا تتطلع إلى شىء فى مكان آخر: لا سفينة لك، لا طريق. فطالما خربت حياتك هنا، فى هذا الركن الصغير، فقد دمرتها فى كل مكان من العالم»، هكذا كتب فى قصيدة «المدينة» المعلقة على أحد جدران شقته الكائنة بشارع ليبسوس سابقا بحى العطارين، بعد أن تغير اسمه لشارع كفافيس.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا