بناءً على المتابعة المرتبطة بالتغيرات المناخية وتوابعها الزاحفة على عالمنا، أعلنت آخر التقارير العلمية، والتى صدرت من جامعة ألباما بالولايات المتحدة الأمريكية نهاية شهر إبريل من عام ألفين وستة وعشرين، والمعتمدة على دراسات علمية من جهات متخصصة مثل وكالة ناسا، أنه خلال السنوات القادمة ستواجه ثمانى مدن ساحلية على الجانب الشرقى للولايات المتحدة الأمريكية، منها نيويورك ونيوأورلينز، فيضانات عارمة ستتسبب فى أضرار جسيمة، منها أن نصف مدينة نيويورك ستغمره هذه الفيضانات، لتصيب حوالى خمسة ملايين مواطن من سكانها بخسائر فادحة، أما مدينة نيوأورلينز فدون مبالغة سيصاب ٩٨٪ من سكانها بأضرار جسيمة بسبب الفيضانات والعواصف والأمطار الغزيرة، وأن الخسائر تتعدى بلايين الدولارات فى كل مدينة، وهذا هو المعلن دوليًا.
أما بالنسبة لمصر، والتى لها سواحل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، فحسب آخر المنشورات العلمية المصحوبة بصور الأقمار الصناعية وصور مباشرة للأضرار التى ضربت مدينة الإسكندرية خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية بسبب توابع التغيرات المناخية وارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط ارتفاعًا خطيرًا، مصحوبًا بعواصف تزداد شدة كل عام، وذلك على شبكات الإنترنت من منظمة الأمم المتحدة، والتقرير الأزرق الصادم والصادر فى مايو ٢٠٠٧، وعلى غلافه صور الأقمار الصناعية لسواحل مدينة الإسكندرية كمثل صارخ لما سيحدث لكامل المدن الساحلية حول العالم، ومن جامعة ييل الأمريكية، وجامعة جنوب كاليفورنيا، والجامعة التكنولوجية بميونخ، وهى التقارير التى سجلت انهيار مائتين وتسعين عقارًا خلال سنين القرن الحالى بسبب غرق أساساتها والتربة أسفلها نتيجة تسرب مياه البحر خلالها، وهو ما يهدد اليوم حوالى سبعة آلاف عقار آخر على الساحل بالانهيار.
فما توابع التغيرات المناخية على مصر؟ فبسبب ارتفاع درجات حرارة المحيطات والبحار ستنتشر ظاهرة ابيضاض وموت الشعاب المرجانية، وهى من أهم عناصر الجذب السياحى، وستجف شجيرات المانجروف، والتى تنتشر على سواحل البحر الأحمر فى ظاهرة طبيعية نادرة، أقصى الحدود الجغرافية لها على الكرة الأرضية. أيضًا ستتسبب التغيرات المناخية فى عدة عوامل أخرى لم تبلغ مصر مثل العواصف والسيول العارمة والحرائق المدمرة، كما سيرتفع منسوب البحار حوالى مترين، وتوابع ذلك على المدن الساحلية، مما يدفعنا دفعًا إلى مراجعة أفكار واقتراحات ودراسات العلماء، والتى وضعت خلال الثمانين سنة الماضية.
• • •
بهذا الصدد أرى أن أفضل مثل واقعى وعملى هو التقرير الذى أعاد فتحه وتذكير العالم به فى المؤتمرات الدولية العالم المصرى الدولى الدكتور محمد عبدالفتاح القصاص، أول رئيس يُنتخب من الدول النامية ليتولى رئاسة الاتحاد الدولى لصون الطبيعة لدورتين من عام 1978 حتى عام 1984، وهو التقرير الذى يشمل علاجًا مؤكدًا وتقليلًا للخسائر المتوقعة ليس لمصر فقط، بل لدول حوض البحر المتوسط والبحر الأسود السبعة والعشرين، وأيضًا دول البحر الأحمر، وهو إحياء وتفعيل المشروع الذى وضعه المهندس الألمانى هيرمان سورجيل عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين، والخاص ببناء سد وهاويس بمضيق جبل طارق، وهو مضيق محصور بين جنوب غرب القارة الأوروبية وشمال غرب القارة الأفريقية، عرضه أربعة عشر كيلومترًا وربع، ليفصل بين المحيط الأطلنطى والمتوسط، وبناء سد وهاويس عند مدخل قناة السويس الشمالى ببورسعيد، والذى يبلغ عرضه حوالى تسعة عشر كيلومترًا ونصف، وهو ما سيوفر الجهد والمال لجميع دول المنطقة، فبدلًا من تخصيص ميزانيات تتعدى بلايين الدولارات لبناء الجدران الفاصلة والسدود لآلاف الكيلومترات أمام سواحل كل دولة، يتم الاتفاق على مساهمة مناسبة من الدول السبع والعشرين فى هذا المشروع الدولى العملاق للسيطرة على مستوى مياه البحر المتوسط، مما سيعود بمنافع هائلة لدول الحوض ودول حوض البحر الأسود.
أيضًا إحياء المشروع الثانى والموازى، والخاص ببناء سد وهاويس عند مضيق باب المندب ليفصل بين المحيط الهندى والبحر الأحمر، مع إشارتى إلى أن الهندسة الحديثة يمكنها اليوم التغلب على مشكلة تحرك وابتعاد صفائح وطبقات القارة الأفريقية عن الجزيرة العربية.
وقد ذكرت كامل هذه التفاصيل ممثلًا عن مصر خلال مؤتمر دافوس فى أكتوبر من عام ٢٠٠٧، مع وجوب ذكر أن علماء مصر قدموا تقارير واقتراحات ووقائع مؤكدة طوال الثلاثين سنة الماضية، وهم الدكتور القصاص، والدكتور مصطفى طلبة، والذى انتُخب رئيسًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة من عام 1974 حتى 1992، والذى أيضًا شغل منصب رئيس اللجنة التيسيرية لمشروع البلاغ الوطنى الأول والثانى المعنى بإعداد مصر لمواجهة التغيرات المناخية، ورغم الجهد العلمى الهائل الذى بذلته هذه اللجنة، إلا أن ملفاتها ودراساتها تم تجاهلها تمامًا للأسف.
والنتيجة تصعقنا وتذهلنا وكأننا لم نتوقع ولم نعلم، فعلى سبيل المثال، وبعد عشرين عامًا من إنذارات وتقارير ومقالات علمائنا الأجلاء، أسجل الظواهر المناخية الشاذة التى ضربت مصر خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية والتى صدمتنا. أسجل ما حدث بمحافظة أسوان يوم ١٣ /١١ /٢٠٢١ من أعاصير كاسحة اقتلعت الأشجار وأعمدة إضاءة الشوارع، وهددت عددًا كبيرًا من المساكن والطرق وأبراج الكهرباء والاتصالات، وثلوج وأمطار غزيرة للغاية جرفت وشلت سبل الحياة اليومية، حيث انقطعت الكهرباء تمامًا عن المدينة، وتوقفت المخابز، ودُمرت مساحات من الطرق، وأغرقت وفتحت المقابر، ما كانت نتيجته أن جثث الموتى طفت وانتقلت لعدة مواقع بعيدًا عن المدافن، كما دفعت السيول مئات من العقارب والأفاعى السامة إلى وسط المساكن لتقتل ثلاثة مواطنين، وتلسع أكثر من خمسمائة مواطن ليتم نقلهم وسط هذه الظروف البالغة السوء إلى المستشفيات لإنقاذهم بالحقن بالأمصال المضادة لسمومها.
ونفس الكوارث البيئية ضربت عدة مدن بمحافظة البحر الأحمر، ولن أخوض فى التوابع الصادمة والتى ستضرب مصر خلال السنين القادمة إذا لم نتحرك للمواجهة.
• • •
هنا أكرر: وكأننا لم نتوقع ولم نعلم للأسف. واجب إصدار قرار بتشكيل مجلس قومى رفيع المستوى نافذ القرارات، يجتمع بجدية والتزام كامل، مهمته الوحيدة مواجهة ظاهرة الاحتباس الحرارى والتغيرات المناخية، والعمل من اليوم حيال سن القوانين المناسبة لاعتمادها من مجلس الشعب، وإعداد سواحل مصر بالإنشاءات والتخطيط الهندسى العملى المناسب لحماية مصر من هذه الكارثة المؤكدة والمتفاقمة، والتى تزحف ببطء على الأراضى المصرية، وبدأت توابعها تظهر بوضوح فى دلتا النيل وسط أخصب الأراضى الزراعية.
ومن المؤكد أن الحل المثالى هو التعاون الدولى مع دول حوض البحر الأبيض والأسود والأحمر لبناء سدود دولية عند المضايق لإنقاذ سواحلنا وسواحل هذه الدول، وهذا نداء وطنى مخلص.
حسب علمى هناك مؤسسة دولية تُلقب بـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، أعضاؤها ممثلون من كامل دول حوض البحر المتوسط، وأمين عام الاتحاد السفير المصرى ناصر كامل.
مستشار وزير السياحة ووزيرة البيئة السابق