ليس شرطًا أن تكون مذكرات كل فنان أو فنانة ممتعة أو شيقة أو مؤثرة، ولكن كتاب «مذكرات مارى منيب»، الصادر عن دار المرايا، من جمع وتحقيق وتقديم محمد دياب، يوفّر للقارئ كل ذلك، فكأنك تسمع صوت الست مارى المميز، بطريقتها وبضحكتها التى صارت «ماركة مسجّلة». وهى أيضًا، فى مذكراتها، حكّاءة بارعة، بقدر ما هى ممثلة عظيمة، سبق أن منحت شخصية امرأة الحارة، والحماة المصرية، بصمة فريدة ومستقلة.
الكتاب، الذى يضم مذكراتٍ نشرتها مجلة «الجيل الجديد» فى عام 1954 فى ست عشرة حلقة، ومذكرات لاحقة نشرتها مجلة «الكواكب» فى عام 1960 فى أربع حلقات فقط، إضافة إلى ملحق يضم بعض حوارات الست مارى، يأسر القارئ ليس فقط بطوفان من التفاصيل الإنسانية والفنية المتدفقة، ولكن أيضًا بكثير من المفاجآت المهمة، سواء على مستوى شخصية مارى منيب، أو فيما يتعلّق بحياتها الخاصة والمسرحية.
لاحظ محمد دياب وجود تناقضات بين المذكرات الأولى والثانية، فقام بالتحقيق والمقارنة واستنتاج الأصوب، مثلما فعل من قبل فى تحقيقه لمذكرات محمد عبد الوهاب المتتالية.
مذكرات مارى الأولى - مثلًا - تُسقط تمامًا واقعة طرد الريحانى للصبية مارى وأختها الكبرى أليس، عندما ذهبتا للعمل فى فرقته؛ لأن القانون كان يمنع تشغيل القاصر، والمذكرات الأولى تقول فيها مارى إنها من مواليد بيروت، ولكنها تعود فى المذكرات الثانية لتقول إنها من مواليد دمشق.
رغم ذلك، هناك إطار عام لمشوار الست مارى متماسك البناء، وإن كانت مذكرات مجلة «الجيل الجديد» هى الأهم، بل والأجمل فى السرد؛ لأن مارى منيب تتحدث هنا بالعامية المصرية الشعبية، التى أجادتها تمامًا، رغم أصلها الشامى.
لدينا عناصر أساسية ومحورية، أولها معاناة الأم أسما نصر، التى جاءت إلى مصر بحثًا عن الأب، وكان قد أفلس بسبب المضاربة، ثم مات فجأة. وهكذا كان على الأم، وهى بطلة حقيقية، وشخصية درامية مذهلة، أن تدير حياة عائلة فقيرة بائسة، ومن هنا وافقت على عمل ابنتيها فى «المرسح»، لأكل العيش ليس إلا، ولم تشعر مارى بشغفها الكامل بالفن وحده إلا عندما انضمت، فيما بعد، إلى فرقة الريحانى، وهو أستاذها الحقيقى، ومعلمها الأكبر.
العنصر الثانى هو اعتراف مارى بالجانب الرومانسى الكبير فى شخصيتها، وعدم قدرتها على محو حبها الوحيد لزوجها الأول، الممثل والمنولوجست المعروف فوزى منيب، الذى أذاقها الألم والحسرة والمرّ، بسبب مغامراته العاطفية، وعدم إنفاقه على ولديه فؤاد وبديع، وزواجه على مارى من المطربة نرجس شوقى.
معاناة مارى معه تصلح كدراما مستقلة، فلا هى تطيقه، ولا هى قادرة على نسيانه، وأعتقد أن مذكرات «الجيل الجديد» لها ثلاثة أبطال؛ هم: أمها العظيمة المكافحة، والست مارى، وفوزى منيب حبيب القلب الغادر. والتفاصيل استثنائية فى البوح والفضفضة، وخلال هذه المرحلة المأساوية، التى استمرت لانتزاع النفقة من الزوج، فقدت مارى طفلتها الرضيعة، وكان عمرها ثلاثة أشهر فقط.
العنصر الثالث الأهم فى حياة الست مارى هو تعلّقها الشديد بولديها، وبأبناء شقيقتها (كوثر وظافر). فبعد موت شقيقتها أليس، وافقت مارى، بعد تردد طويل، وبعد طلاقها من فوزى منيب، على أن تتزوج من زوج شقيقتها الراحلة، وقامت بتربية الأولاد الأربعة، وهذه بدورها حكاية مؤثرة للغاية، يمكن أن تكون عملًا دراميًا مستقلًا.
يمكنك أن تلاحظ أن هذه الآلام الإنسانية العائلية تأتى فى المذكرات متداخلة مع رحلتها الفنية، التى بدأت مع على الكسار فى مسرحية «ليلة 14»، وكان ذلك فى عام 1919، وعمرها 14 عامًا فقط، وختمتها بمسرحية «خلف الحبايب» فى عام 1969، ولا ننسى رحلتها السينمائية، من فيلمها الأول «ابن البلد» فى العام 1934، وانتهاءً بفيلمها الأخير «لصوص لكن ظرفاء» فى عام 1969.
كيف كانت مارى تغنى وتمثل كـ «بريمادونا» لفرقة فوزى منيب، وهى فى قلب هذه المشاكل الزوجية؟ وكيف كانت تعود للعمل بعد فترات الإفلاس، وعدم وجود ما تنفقه، إلى حد أنها اضطرت إلى بيع أثاث منزلها، وإلى درجة بيع خادمتها ما تملكه من ذهب، لكى توفر لسيدتها 15 جنيهًا فقط؟
كيف كانت مارى تُضحك الجمهور وهى حزينة؟ وكيف كانت تجمع بين هذه الشخصية الرقيقة الرومانسية، وبين شخصية المرأة العملية التى تسافر إلى روما لعمل دوبلاج للفيلم التركى «سلمى»، الذى عُرض فى مصر؟
فى المذكرات حكايات درامية غريبة، مثل رفضها الزواج من بشارة واكيم لتعلّقها الكبير بـ «فوزى منيب»، ومثل تفاصيل زواجها العرفى من فوزى فى بيروت، ثم زواجهما الرسمى فى حيفا أثناء جولة فنية ناجحة، ومثل لقائها الثانى، وقد تجاوزت سن الصبا، بنجيب الريحانى، لينبهر بأدائها، ثم يكتب لها أدوارًا خاصة فى فرقة الريحانى، وتصبح مُستودع أسرار نجيب، وموضوع ثقته وتقديره، وواحدة من أنبغ تلميذاته.
المذكرات شخصية، ولكننى قرأت فيها أيضًا وصفًا اجتماعيًا عجيبًا لمصر فى النصف الأول من القرن العشرين، ولكواليس الفرق المسرحية ونجومها، وهى فترة ذهبية، وحافلة بالتغيرات والتناقضات، والصعود والهبوط.
عملت مارى فى فرق كثيرة؛ مثل فرقة على الكسار، وأمين عطا الله، وفوزى منيب، وفرقة يوسف عز الدين، وفرقة رمسيس، وفرقة فاطمة رشدى، وفرقة الريحانى، أى إنها كانت شاهدة من قلب التجربة. والتفاصيل التى كتبتها عن مسارح روض الفرج شديدة الحيوية والأهمية، ولا تقل عنها أيضًا حكاياتها مع الدجالين لاستعادة زوجها فوزى، أو قصتها العجيبة مع فتوة الإسكندرية أبو خطوة، زوج الأربعة، أو حديثها عن خطبتها التى لم تكتمل فى مطلع شبابها لرجل صعيدى!
مصر بتمامها انعكست على حياة وذاكرة فنانة عظيمة، وإنسانة كبيرة، فجعلتنا نحبُّها أكثر وأكثر.
هذه مسيرة امرأة مكافحة، طُردت من مدرسة الراهبات لغبائها، فاكتشفت موهبتها فى الفن والمسرح. وهذه حكاية سيدة عرفت الخيانة والفقد والأسى، فاختارت أن تكون من عناوين البهجة للناس، على مر العصور.