الذكاء الاصطناعى وأخلاقيات البحث العلمى

الإثنين 4 مايو 2026 - 8:20 م

اعتُبر البحث العلمى من أهم الأنشطة الإنسانية التى تقوم على اعتماد مناهج وضوابط محددة بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة، تسهم فى حل مشكلات وقضايا المجتمعات. وتمثل الجامعات والمؤسسات البحثية فضاءات لتسليح الطلاب والباحثين بالمنهجية العلمية، وبأصول البحث وأخلاقياته، والتى تكفل ركوب غمار الكتابة والبحث بقدر من الموضوعية، والكفاءة، والثقة.


وفى هذا الإطار، تستأثر أخلاقيات البحث العلمى بقدر كبير من الأهمية، وهى تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية التى ينبغى على الباحث التحلى بها، بما يعزز مصداقية وموضوعية البحث العلمى ويدعم جودته.


ويُعد احترام ضوابط الأمانة العلمية من ضمن أهم المظاهر المجسّدة لأخلاقيات البحث العلمى، وتحيل إلى الإشارة إلى مصدر المفاهيم، والإحصاءات، والمعطيات المعتمدة، ثم الالتزام بطرح النتائج والخلاصات المتوصل إليها، من دون زيادة أو نقصان.


وتمثل طفرة الذكاء الاصطناعى محطة مفصلية فى مسارات البحث العلمى، ففى الوقت الذى توفر فيه إمكانات وفرصا واعدة لتطوير العلوم وتسريع عمليات البحث، فإنها تضعه أيضا أمام محك يهدّد مقومات الأمانة العلمية.


فمن جهة أولى، يتيح الذكاء الاصطناعى الاستفادة من التطورات التقنية الكفيلة بتسهيل عمليات البحث، خصوصاً فى ما يتعلق بتطوير مناهج البحث، وتسريع عمليات جمع وتصنيف المعلومات والإحصاءات، وتحويلهما إلى رسوم بيانية وخرائط وجداول، إضافة إلى المساعدة فى تعزيز البحوث الاستشرافية من خلال تحليل هذه هذه المعطيات، والتنبؤ بمآلات الأوضاع والظواهر المختلفة، علاوة على توفير محركات ذكية للترجمة تتيح وصول الباحثين من مختلف الجنسيات إلى المعلومات، بغضّ النظر عن إتقانهم للغات أخرى.


كما يتيح تدقيق المعلومات وكشف التناقضات الواردة بشأنها، كما يمكن لتوظيفه بشكل دقيق ومحسوب أن يحدّ من الهفوات المنهجية والموضوعية التى يمكن للباحث أن يسقط فيها.


وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعى يسهم من خلال عدد من التطبيقات الإلكترونية فى كشف السرقات العلمية، إلا أن النتائج المحصلة فى هذا الصدد تظل نسبية، إلى حد ما، ما يجعل باب لجوء البعض إلى ارتكاب هذه السرقات متاحًا.


أما من جهة أخرى، فقد فتح الذكاء الاصطناعى الباب مشرعًا أمام تهديد أخلاقيات البحث العلمى، بخاصة فى ما يتعلق بالمسّ بمتطلبات الأمانة العلمية، فقد شجع البعض على اقتراف السرقات والاحتيال العلميين، عبر انتحال الأفكار التى يولدها هذا الذكاء، الاستناد إلى مراجع وهمية، كما أسهم فى تسطيح البحث العلمى، وإفراغه من بُعده الإنسانى والاجتماعى وما يتصل بهما من نقد وإبداع، بناء على الاعتماد المبالغ فيه على التكنولوجيا الحديثة، كما أن النتائج العلمية المبنية على الذكاء الاصطناعى ومعطياته غالبًا ما تتأثر بطبيعة المحتويات الرقمية التى تجسد رؤى محددة تجاه مختلف القضايا، الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، بما يفقدها قدرًا من الموضوعية التى تمثل الزاوية الأساسية للبحث العلمى.


إن الثقة العمياء بالبيانات والمعطيات التى يقدمها الذكاء الاصطناعى تضع الباحث أمام مسئوليات أخلاقية وقانونية فى حال ثبوت عدم صحة هذه المعطيات، كما يحول دون الاطلاع على المضامين العميقة للمراجع التى يمكن للذكاء الاصطناعى أن يقدم تقارير ملخصة بشأنها، إضافة إلى قتل المهارات الفردية المرتبطة بالنقد والتحليل والتوقّع.


إن توجيه الذكاء الاصطناعى بما يخدم البحث العلمى ويدعم مصداقيته ويحدّ من سبل توظيفه بصور احتيالية، هى مسئولية جماعية، تتوقف فى جزء كبير منها على اتخاذ مجموعة من التدابير الى تتمحور حول توخى الباحث واستحضاره لشروط أخلاقيات البحث العلمى، فى علاقة ذلك، باحترام الضوابط العلمية، عبر الحرص على توخى الدقة، والإشارة إلى مصادر المعلومات والمفاهيم المعتمدة، ثم الإشارة، بدقة، إلى كيفية توظيف الذكاء الاصطناعى فى عملية البحث، واحترام الخصوصية، وتوخى الموضوعية فى مقاربة مختلف الإشكالات والمواضيع، إضافة إلى الالتزام بالمسئولية إزاء الأخطاء المحتمل ارتكابها، وعدم إلصاقها بالتكنولوجيا.


لا شك فى أن الذكاء الاصطناعى يوفر فرصًا مهمة فى مختلف المجالات، ومن ضمنها البحث العلمى، غير أن استعماله بلا رقيب، أو وازع أخلاقى، أو ضوابط قانونية، أو بشكل مبالغ فيه، يمكن أن يلغى عقل الإنسان، ويتحول بذلك من وسيلة إلى بديل، ويفضى إلى كوارث حقيقية.

إدريس لكرينى
جريدة الخليج الإماراتية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة