مستقبل التنظيم الدولى العربى
الإثنين 4 مايو 2026 - 8:12 م
أثارت الأحداث الأخيرة بطبيعتها المتغيرة والمفاجآت غير المتوقعة منها وما صاحب ذلك من ضبابية الأجواء فى المحيط الشرق أوسطى بل وداخل الدول فى غرب آسيا عمومًا وهو أمرٌ يسوقنا إلى ضرورة التفكير وتأمل محنة التنظيم الدولى العربى وقدرته على استيعاب هذه التطورات الجديدة وفهم المتغيرات التى طرحت نفسها بشدة فى الأعوام الأخيرة حتى أدرك الجميع أننا مقبلون بالضرورة على أحداث جسام والنبش فى أمور مضى عليها قرون عدة استقر فيها الجوار العربى الإيرانى وأدرك الجميع أن المشهد الذى نراه هو جزء من حقيقة تاريخية ومشهد جيوسياسى لا يمكن الانفكاك منه أو الالتفاف عليه إذ إن نزاعات الجيران تحمل فى طياتها مخاطر مركبة تلعب فيها الجغرافيا والتاريخ دورًا كبيرًا وتساؤلًا مكررًا خصوصًا من أبناء منطقة الخليج العربى بمفهومنا والفارسى بالمسمى الإيرانى فاكتشفنا جميعًا أن ما يحدث الآن هو امتداد لتاريخ عريق وبعد حضارى طويل منذ كنا نتحدث فى كتب التاريخ عن العرب والعجم والشراكة التاريخية بينهما خصوصًا فى العصر العباسى مما أدى إلى ازدهار المعرفة وتألق القدرة لدى البعض على فرض وجودهم على ساحة الشرق الأوسط بما فيها من بيئة عربية حاضنة وملامح فارسية متجذرة، فالواقع أن العلاقات الخارجية الإيرانية كانت فى الغالب هادئة بل وفاترة أيضا لأن دول الخليج العربى تدور بالطبيعة فى فلك خاص عاش فى ظل مناخ مختلف باعتباره جزءًا من مقوماته حتى انصرف الباحثون والعلماء عن مسئولية الخطر الجديد والتوغل الزائد فى الخريطة السياسية أو المنظومة الفكرية.
لقد علمتنا السنوات الأخيرة أن صورة إيران تبدو مهترئة فى نظر كثير من العرب ولا شك أن ذلك الشعور متواجد لدى كثير من العرب على الجانب الآخر فلا يثق أحد فى نظيره ولا توجد حتى الآن قراءة عادلة تحاول أن تنصف الجميع بنفس الدرجة إذ إن المشكلة دائمًا هى أن من يرصدون حركة التاريخ يقع معظمهم فى إطار التواجد داخل تنظيمات سياسية أيديولوجية وهنا مكمن الخطورة لأن أدلجة السياسة الخارجية للدول هى نوع من أنواع التدخل غير المنظور ولعل أكثر الآثار فى العلاقات الدولية المعاصرة هى الانعكاس الأيديولوجى على سياسات الدول وعلاقتها بالآخرين ولعل النموذج السوفيتى فى القرن العشرين هو الأبرز دلالة على صحة ما نقول فلقد تشكلت الكتلة الشرقية نتيجة التجمع الأيديولوجى للدول التى اعتنقت المذهب الشيوعى فى وقتها بحيث تشكل تلقائيًا نوعا من الاستقطاب فى العلاقات الدولية بين المعسكرين الكبيرين الرأسمالى والاشتراكى.
أنا أحد الذين يقولون بأن تلوين السياسة الخارجية هو تعبير تلقائى عن دوافع الصراع الدولى المعاصر حتى بعد انتهاء الحرب الباردة إذ استقر فى تفكير الدول والحكومات أن ثنائية الاستقطاب السياسى الخارجى هى علامة عصرية لا يمكن تجاوزها فالعلاقة على سبيل المثال بين الصين وروسيا الاتحادية لا تزال انعكاسًا لتحالف قديم فى إطار المعسكر الاشتراكى الذى انتهى بسقوط حائط برلين وذوبان الكتلة السوفيتية وبروز مظاهر جديدة للهيمنة الأمريكية المطلقة على امتداد خريطة العالم وهو ما يذكرنا به أسلوب الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب من بسط النفوذ وامتداد الهيمنة، وإذا انتقلنا من المستوى الدولى إلى المنظور الإقليمى فإننا نؤكد أننا كعرب قد قمنا منذ سنوات الصحوة مع مطلع القرن العشرين بعملية أيديولوجية لصبغ الحياة السياسية العربية بانقسام أيديولوجى من نوع آخر بين أبناء اليمين الدولى واليسار الوطنى بحيث تأثر الأمن القومى العربى بتلك التقسيمات.
وما زلنا نتذكر الاستقطاب المعروف بين مؤيدى عبدالناصر فى جانب ومناصرى العرش السعودى فى جانب آخر حتى غلبت العاطفة القومية وتحولت هزيمة 1967 إلى مناخ إيجابى للتنقيب فى الأمن الجماعى للدول العربية خصوصًا وأن صيغة 1945 التى قامت عليها جامعة الدول العربية لم تعد كافية لمواجهة التطورات الدولية التى استجدت على الساحة الإقليمية فأصبح من المتعين علينا أن ننظر إلى الأمر من زاوية جديدة تعتمد على التطورات التى جدت على مسرح الحياة السياسية وتطور رؤية الدول لدورها فى العالم الجديد، وبدت صيغة جامعة الدول العربية محل انتقاد شديد وشعور سلبى بأن دورها قد تجاوزته الأحداث وأننا بحاجة إلى تنظيم دولى جديد أو على الأقل بحاجة إلى تجديد نظام الأمن الجماعى العربى الذى كرسه ميثاق الجامعة فى منتصف الأربعينيات من القرن العشرين لكى نشهد عالمًا جديدًا يقوم على أسس مختلفة وتنعكس عليه حقائق جديدة أهمها تنامى حركة التحرر الوطنى واستقلال الدول العربية والتوجه العام نحو البحث عن صيغة مختلفة للأمن الجماعى للدول العربية.
لابد أن نعترف هنا أن ظهور مجلس التعاون الخليجى كان هو أبرز العلامات لوجود آفاق مختلفة تسعى إلى توحيد العمل العربى المشترك وتجديد صياغته والارتفاع فوق الخلافات العربية الطارئة ولا بد أن نشهد هنا بصدق وأمانة أن مجلس التعاون الخليجى قد حقق نجاحات كبيرة لعل أبرزها على الأقل هو عنصر الاستمرارية والبقاء على المسرح منذ بداية عهد الثمانينيات فى القرن الماضى حتى الآن.
ولعلى أطرح بعض الملاحظات ونحن نبحث عن مستقبل الأمن القومى العربى وفى ظل تداعيات خطيرة تحيط بالمنطقة منذ أن بدأت إيران فى ممارسة دور مختلف وتصديرها لأيديولوجية مؤثرة فى العالمين العربى والإسلامى مع عداء شديد وفقدان للثقة بين طهران وواشنطن ما يجعلنا الآن نرقب ما يجرى خصوصًا وأن الأيام تأتينا بجديد فى ظل ظروف بالغة الحساسية شديدة التعقيد إذ أفرزت الحرب بين إيران فى جانب وإسرائيل وأمريكا فى جانب آخر كمًا هائلًا من الحقائق الغائبة عن المشهد وفى مقدماتها أن السياسة الخارجية الإيرانية القائمة على تصدير الثورة الإسلامية إلى دول آخرى واستنساخ ساحات مستقلة عن دولها بل وخارجة عن القانون فيها مثلما هو الأمر فى نموذج حزب الله بلبنان ودوره فى ترجمة السياسة الإيرانية إلى واقع جديد على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، ولعل معاناة الشعب اللبنانى هى انعكاس مباشر بهذه الحقائق.
يجب أن نتذكر فى النهاية أن مأساة الشعب الفلسطينى وبروز الدور الإسرائيلى كما نشهد حاليًا هى انعكاس لجريمة استمرار الاحتلال بحيث تبدو إسرائيل وإيران رغم الخلاف الواسع بينهما عقائديًا وسياسيًا إلا إنهما تعبران عن نظرة مختلفة تجاه العرب ونظريات الأمن الجماعى التى يحاولون ترسيخها فى المنطقة، وإسرائيل لاعب خطير يحرك بعض الأوراق بما فيها الورقة الإيرانية بنتائجها التى تجلت بوضوح فى المواجهة العسكرية بين إيران فى جانب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فى جانب آخر، ثم مفاجأة العدوان الإيرانى على دول الخليج دون مبرر معروف أو مقدمات ملموسة وكأن طهران تريد أن تتخذ من دول الجوار الخليجى رهينة تستخدمها حين تريد وتقترب منها حين تشاء وهى تريد أن توجع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال التأثير فى حلفائها واختراق قنوات الأمن القومى العربى وانتهاز فرصة ضعفه نسبيًا والدخول فى مواجهات تحتاج من الجميع استجماع القوى والتركيز على الجوهر وإفساح المجال أمام إيران جديد يستعيد السيطرة هو الآخر ويسعى إلى الهيمنة على حساب الدول العربية فى الخليج وخارجها.
وتستخدم إسرائيل الفزاعة الإيرانية فى تشتيت جهود التنمية والإصلاح لدول الخليج كما تحتفظ بذلك الكارت الخبيث لاستخدامه عند اللزوم لدول أخرى فى المنطقة قد يكون من بينها تركيا ومصر، ولذلك فإن على العرب البحث جديًا فى تطوير منظومة الدفاع المشترك نظريًا وتطبيقيًا والارتفاع فوق الخلافات والابتعاد عن الحساسيات لأن التحديات القائمة هى تحديات وجودية وليست فقط خلافات حدودية.
نقلا عن إندبدنت عربية
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا