بدائل هُرمز

الإثنين 4 مايو 2026 - 8:10 م

كشفت التداعيات الجيوسياسية للحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، مدى تغوّل الاعتبارات الجيواقتصادية والجيوسياسية على نظيراتها السياسية والعسكرية. ففيما اعتبرته وكالة الطاقة الدولية أضخم تعطّل فى تاريخ إمدادات الوقود الأحفورى عالميًا؛ يضغط إغلاق مضيق هرمز على تدفقات الطاقة، والغذاء، والدواء. كما يخنق صناعة أشباه الموصلات، ويقيد مشاريع الذكاء الاصطناعى، ويحاصر كابلات الألياف الضوئية. ما يهدد أسس الاقتصاد الرقمى، وينذر بانهيار منظومة الثقة التجارية، ويُشكل تقويضًا لمنظومة الحوكمة البحرية.


تكاد المضائق الدولية أن تتحول من نقاط عبور آمنة، إلى أوراق ضغط جيوسياسية، تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمى وتوازناته. ومع تعاظم احتمالات انتقال العدوى إلى مضايق أخرى مثل ملقا، باب المندب، وتايوان؛ تتجه الأنظار صوب إعادة هيكلة خارطة التجارة العالمية، وهندسة منظومة الملاحة الدولية، لنزع قدرة بعض الأطراف على استخدام إمدادات الطاقة أداةً للضغط والابتزاز الاستراتيجيين. ومن ثم، تبحث دول العالم فى كيفية تقليص الاعتماد على المضايق، ضمن استراتيجية «إعادة توزيع المخاطر». تلك التى تتبنى مقاربة جيوسياسية، تشمل إعادة رسم خارطة تدفقات الطاقة والتجارة عالميًا، لإيجاد بدائل برية مستدامة للممرات والمضايق البحرية، من خلال تسريع المشاريع المتعلقة بخطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، والطرق البرية، والنقل الجوى، والموانئ البعيدة عن نطاق المضايق.


فرض الحصار الأمريكى تحديات جمة بشأن المرونة التشغيلية لصناعة النفط الإيرانية؛ تطال جهود صيانة المنشآت، والحفاظ على نشاط الآبار، واستدامة تحقيق الإيرادات. ومع انحسار وسائل تصدير الخام، وتضاؤل مساحة تخزينه محليًا، قد تضطر إيران إلى خفض إنتاجها بشكل كبير، أو إيقافه فى بعض آبارها، خلال أسبوعين. وفى مسعى منها للتحايل على الحصار الموجع، عززت الاعتماد على المناطق الاقتصادية الحرة والخاصة. كما أعادت توجيه مسارات تأمين استدامة إمدادات السلع الأساسية، بعيدًا عن الموانئ الجنوبية، صوب الموانئ الشمالية على بحر قزوين، والمعابر البرية مع الدول المجاورة. فبموازاة ترميم علاقاتها بدول الجوار غير العربية، انبرت طهران فى تعزيز البنية التحتية الحدودية، وتسريع الإجراءات الجمركية، وتقليص القيود البيروقراطية، لتفادى أية اضطرابات فى تدفق السلع، وضمان تدفق الواردات دون انقطاع. وفى هذا السياق، تسارعت وتيرة العمل فى خط أنابيب غوره-جاسك، الذى تبلغ طاقته مليون برميل يوميًا. وقد أبدت الدول المجاورة، خاصة تركيا، وباكستان، وأفغانستان، تعاونًا ملفتًا فى هذا الصدد، حيث سمحت بمرور البضائع المتجهة إلى إيران عبر أراضيها. ما أتاح لطهران توسيع منافذها التجارية، عبر إيجاد طرق بديلة للوصول إلى الأسواق الآسيوية، لا سيما الطرق البرية، التى تُعد أقل كلفة، فى بعض الحالات، مقارنة بالشحن البحرى المتعذر والطويل.


سلطت حرب إيران الضوء على أهمية السكك الحديدية العابرة للقارات، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا جديدًا، يعكس تحولًا جيوسياسيًا أعمق فى بنية العولمة ومساراتها. وفى هذا السياق، برزت شبكة قطارات الشحن الصينى ــ الأوروبى، التى بدأت كتجربة لوجستية ضمن مبادرة الحزام والطريق، ثم تحولت، خلال العقد الماضى، إلى بديل تجارى رئيس لبعض أنواع الشحن البحرى والجوى. خصوصًا بعدما آثرت قوافل شتى تقليص الاعتماد الحصرى على الموانئ والممرات البحرية، والتوجه صوب السكك الحديدية، باعتبارها خيارًا أسرع من البحر، وأكثر استقرارًا فى أوقات الأزمات الجيوسياسية. فى غضون ذلك، برزت أهمية خطوط أنابيب نقل الطاقة، كمثل: خط أنابيب شرق ــ غرب، الذى يمتد بطول 1200 كيلومتر داخل السعودية، لنقل زهاء 7 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ثم إلى أوروبا عبر قناة السويس، أو جنوبًا عبر مضيق باب المندب نحو آسيا. لكنه يصطدم بمخاطر استمرار هجمات الحوثيين على ناقلات النفط. وهناك خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذى يربط خط أنابيب أبوظبى للنفط بحقول حبشان البرية وميناء الفجيرة على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز. وتتراوح سعته بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًا. وهناك خط أنابيب كركوك ــ جيهان، الذى يمتد من كركوك إلى ميناء جيهان التركى على البحر المتوسط.


إبان قمتهم التشاورية الأخيرة بجدة، أولت دول مجلس التعاون الخليجى اهتمامًا بدراسة تدشين المزيد من الملاذات البديلة لمضيق هرمز. بحيث تتضمن مشروعات مشتركة لأنابيب نقل النفط والغاز، والربط عبر السكك الحديدية، وإنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجى الخليجى لضمان توافر السلع والمواد الحيوية عند الأزمات. ومن أبرز المشاريع المقترحة: خط أنابيب العراق-عُمان، الذى يمتد من البصرة إلى ميناء الدقم العُمانى. وخط أنابيب العراق ــ الأردن، الذى يستهدف نقل النفط من البصرة إلى ميناء العقبة الأردنى على البحر الأحمر. وبجانب قناة الخليج ــ بحر عُمان، يبرز الممرّ الهندى ــ الخليجى، الذى يتضمن تصورًا تكامليًا لممرّ متعدد الوسائط، يربط الموانئ الهندية بالمراكز اللوجستية فى الخليج، مع امتداده لاحقًا نحو أوروبا عبر الأردن وإسرائيل. وممر نيوم، الذى يعتمد على نموذج «الجسر البرى ــ البحرى»، لنقل البضائع من أوروبا إلى موانئ مصرية، لتعبر البحر الأحمر بواسطة عبارات إلى ميناء نيوم، ومنها إلى دول الخليج. وطريق التنمية العراقى، لربط الخليج بأوروبا عبر تركيا، دون المرور بنقاط الاختناق المائى. وبينما لم تعد خطوط نقل الطاقة تُبنى فقط على اعتبارات اقتصادية، بقدر ما باتت مرتبطة بحسابات الأمن الجيوسياسى واستقرار الممرات البحرية؛ اقترح فاتح بيرول، المدير التنفيذى لوكالة الطاقة الدولية، إنشاء خط أنابيب نفطى جديد يربط حقول البصرة العراقية بميناء جيهان على البحر المتوسط. كما تعمل أنقرة، بالتوازى مع الأردن وسوريا، على تحديث شبكات النقل والطرق، بهدف تطوير ممر برى ولوجستى يربط الخليج العربى بالبحر المتوسط وجنوب أوروبا، بعيدًا عن المضايق. ويمكن لسوريا أن تكون «ممرًا بديلًا» لإعادة تنظيم ممرات التجارة والطاقة بشرق المتوسط، من خلال تحويل ميناء بانياس إلى رئة بديلة للنفط العراقى. وبعدما قامت بمد أنابيب تصدير النفط فى ينبع على البحر الأحمر، تُبدى السعودية اهتمامًا لافتًا ببدائل على البحر العربى بمحافظتى حضرموت والمهرة شرقى اليمن. وقد بدأت الموانئ البحرية السودانية تتحسس أهميتها كبديل لوجستى ومسارات آمنة للملاحة الدولية ونقل الطاقة عبر البحر الأحمر. فيما تحاول الموانئ الإفريقية تقديم نفسها بدائل لوجستية أكثر أمانًا واستقرارًا، عبر توفير محطات استراتيجية للتزود بالوقود وتقديم الخدمات اللوجستية. وقد أنعشت أزمة هرمز آمال قناة بنما فى الاضطلاع بدور المسار البديل لنقل الغاز الطبيعى المسال من الولايات المتحدة إلى آسيا. خصوصًا بعدما تضاعفت أعداد السفن العابرة لها ثلاث مرات، فيما تضاعفت رسوم العبور لأكثر من مرتين ونصف. غير أن قدرتها الاستيعابية لا تزال تشكل تحديًا مهمًا بهذا الصدد.


يحتدم الجدل بشأن جدوى وفعالية بدائل هرمز. فإيرانيًا، ورغم وصف البعض له بأنه «السلاح النووى الإيرانى الحقيقى»، خاصة بعدما نجحت طهران فى تحويله إلى أداة ضغط جيوسياسية تربك الاقتصاد العالمى؛ كشف الحصار الأمريكى للمضيق عن تحوله إلى كعب أخيل لإيران. فبينما يعتمد اقتصادها عليه بشكل شبه كلى، أضحى إغلاقه خانقًا لحركة نقل النفط، والغذاء، والدواء، والوقود. بما يهدد البنية التحتية والاستقرار الداخلى، كما يحد من قدرة النظام على الصمود والمناورة؛ خصوصًا مع ندرة خيارات بديلة يمكن التعويل عليها. الأمر الذى يقلص دور «اقتصاد الحرب»، أو «اقتصاد المقاومة»، القائم على تعبئة الموارد والتجارة عبر الحدود البرية، لاحتواء التداعيات المؤلمة للحصار الأمريكى الخانق.


تتبارى الجهود الدولية لإيجاد مسارات بديلة لتدفقات الطاقة، بعيدًا عن نقاط الاختناق الجيوسياسية، خاصة مضيق هرمز، بغية تعزيز مرونة الأسواق، وتقليل الاعتماد على الممرات الحساسة ونقاط عبور ضيقة يسهل تعطيلها. لذا، انتعشت مشاريع تطوير البنى التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وإعادة تفعيل خطوط الأنابيب القائمة، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة. بيد أن تلك البدائل تبقى أكثر كلفة، وأطول أمدًا، وأشد وعورة من الناحية اللوجستية، كما لا يمكنها تعويض التدفق المفقود بالكامل. خصوصًا إذا طال أمد التعطل، أو اتسع نطاق التهديد، كون هذه البدائل لا تزال محدودة القدرة الاستيعابية، مقارنة بحجم الطلب العالمى.


بجانب التحديات السياسية والمؤسسية، تبرز المعوقات اللوجستية والتقنية. حيث تتطلب المشاريع العابرة للحدود اتفاقات صارمة بشأن التمويل، والملكية، والتشغيل، والتعرفة، والحماية الأمنية. فضلًا عن درجة عالية من الثقة بين العواصم المختلفة، فى بيئة إقليمية ودولية يكتنفها عدم اليقين. فعلى سبيل المثال، تمضى مشاريع الربط السككى الخليجى ببطء مقلق؛ جراء طول المسارات، وتباين الأولويات الوطنية، واحتياجات التنسيق الجمركى والتشغيلى. كما يكابد مشروع سكة الحديد الخليجية التقطع والتعثر منذ عام 2003، بجريرة الخلاف حول معايير العرض، وحقوق العبور، وتحديات التمويل. ومن ثم، أضحت مشاريع الربط البحرى، والسككى، والمخزونات، أكثر عرضة للتعثر من مشاريع الربط الكهربائى، أو مد خطوط الأنابيب. وهكذا، لم تعد الجدوى الجيوسياسية لبدائل مضيق هرمز مرتهنة باحتواء المخاطر، بقدر ما تتجلى في: تفعيل استراتيجيات الإنذار المبكر، والمسارعة فى نزع فتيل التوترات، والحيلولة دون ابتزاز الأسواق، وتعزيز المرونة التشغيلية لمنظومة الملاحة البحرية، فى أوقات الأزمات.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة