نحو تأصيل تدخلات القوى الكبرى فى شئون الدول المتوسطة والصغرى

الأربعاء 14 يناير 2026 - 7:50 م

لم يكن التدخل العسكرى الأمريكى الأخير فى فنزويلا هو الأول من نوعه من قبل دولة عظمى أو كبرى فى الشئون الداخلية لدولة متوسطة أو صغرى فى النظام الدولى ولن يكون الأخير، سواء كان ذلك قبل تبلور التنظيم الدولى فى القرن العشرين بدايةً بعصبة الأمم وانتهاءً بالأمم المتحدة أو بعده، وليس المقصود هنا فقط الولايات المتحدة الأمريكية كما أن الحديث ليس مقصورًا على أمريكا اللاتينية وحدها، بل إن الموضوع يخص المشهد السياسى العالمى فى مجمله.

 


إلا أننا إذا أردنا بدء تناول الموضوع فسنبدأ بالتدخلات الأمريكية فى أمريكا اللاتينية باعتبار أن التدخل العسكرى الأمريكى الأخير فى فنزويلا هو الذى أعاد إلى الواجهة على الصعيد الدولى هذه المسألة. ولقد بدأ الإطار الأيديولوجى والجيوسياسى فى الوقت ذاته لتبرير التدخلات الأمريكية فى أمريكا اللاتينية عبر ما يعرف بـ «مبدأ مونرو»، والذى صدر عن الرئيس الأمريكى آنذاك «جيمس مونرو» فى 2 ديسمبر 1823، وبحسب هذا المبدأ، رفضت الولايات المتحدة الأمريكية أى تدخل خارجى فى الشئون السياسية لأمريكا اللاتينية واعتبرت مثل هذا التدخل عملا ًعدائيًا ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وبالرغم من أن هذا المبدأ كان موجها فى حينه ضد البلدان الاستعمارية فى أوروبا، فإنه أصبح المبدأ الحاكم للسياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية بشكل عام منذ ذلك الحين.
وقد تم استخدام «مبدأ مونرو» لعقود تالية لتبرير التدخلات العسكرية الأمريكية فى بلدان أمريكا اللاتينية، التى اعتبرتها واشنطن بمثابة «فنائها الخلفى»، وعلى سبيل المثال ففى الحالة الأخيرة لفنزويلا استمعنا إلى تحليلات هامة من خبراء أمريكيين وغير أمريكيين ربطت بين التدخل العسكرى الأمريكى وبين كون 90% من النفط الفنزويلى ومنتجاته كانت تباع إلى روسيا والصين ودول أخرى تراها الولايات المتحدة الأمريكية منافسة لها، إن لم نقل معادية لها، على الصعيد الدولى. وسوف نتناول فى مقال تالٍ أنماط التدخلات الأمريكية فى شئون أمريكا اللاتينية فى حقبة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أننا سنكتفى هنا بالقول إن هذه التدخلات ارتبطت أيضا بما اعتبرته واشنطن المساس بشكل مباشر بمصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية أمريكية، كما أن التدخلات تنوعت، سواء فى الأدوات المستخدمة فيها أو فى الأشكال والصور التى اتخذتها.
إلا أن التدخلات الأمريكية فى شئون دول متوسطة أو صغرى فى بلدان الجنوب العالمى لم تقتصر على أمريكا اللاتينية، خاصة فى زمن الحرب الباردة وما بعدها، ويعد المثال الأبرز، وإن لم يكن الأوحد فى هذا الإطار، هو الانقلاب العسكرى الذى دبرته المخابرات المركزية الأمريكية فى عام 1953 للتخلص من الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الإيرانى المنتخب ديمقراطيا وزعيم الجبهة الوطنية الإيرانية آنذاك بعدما أصدر قراراته بتأميم صناعة النفط الإيرانية، وهو بدوره مثال يأتى ذكره كثيرا فى الوقت الراهن فى ضوء تكرار التهديدات الأمريكية بالتدخل، بما فى ذلك التدخل العسكرى، فى إيران، وسنتناول العلاقة المركبة والمعقدة تاريخيا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بشىء أكثر من التفصيل فى مقال قادم أيضًا.
إلا أنه فى سياق المقال الحالى ننتقل من الولايات المتحدة الأمريكية إلى حالات دول عظمى وكبرى أخرى تدخلت فى شئون دول متوسطة أو صغرى، وذلك ليس بغرض الدفاع عن السلوك الأمريكى الأخير إزاء فنزويلا، ولكن لتبيان حقيقة وواقع أن هذا النمط من السلوك السياسى الخارجى لم يكن مقصورًا على الولايات المتحدة الأمريكية فقط ولكنه شمل دولاً عظمى وكبرى أخرى كلما استدعى الأمر القيام بتلك التدخلات لحماية ما رأته تلك الدول كمصالح وطنية عليا عليها، سواء استراتيجية أو أمنية أو جيوسياسية أو اقتصادية أو أحيانًا حتى من الناحية الأيديولوجية أو الرمزية.
فيتعين علينا ألا ننسى أنه خلال الحرب الباردة حدثت عدة تدخلات من جانب الاتحاد السوفييتى السابق فى الشئون الداخلية لبلدان فى شرق ووسط أوروبا كانت قد انضمت حكوماتها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية للمعسكر السوفيتى بعد تحرير الجيش السوفيتى الأحمر لتلك البلدان من الاحتلال النازى وسيطرة الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو بها على مقاليد السلطة. فعلى صعيد التدخلات العسكرية المباشرة، تدخلت موسكو عسكريا بشكل مباشر، سواء بشكل أحادى كما حدث فى حالة المجر عام 1956، أو فى حالة تشيكوسلوفاكيا عام 1968، والذى تم تحت مظلة التدخل الجماعى لدول حلف وارسو آنذاك، وطبقاً لما عرف بـ «مبدأ بريجنيف»، الذى منح دول حلف وارسو حق التدخل فى أى من الدول الأعضاء فى الحلف فى حالة حدوث تهديد للنظام السياسى بها، سواء من داخلها أو من الخارج، كما أنها تدخلت من خلال ضغوط سياسية أو دعم لتدخل جيوش دول فى حلف وارسو فى العملية السياسية ببلدانها، وهو ما حدث مثلاً فى حالة بولندا، سواء فى عام 1956 فى مواجهة الزعيم البولندى «فواديسواف جومولكا»، أو ما بعد صيف 1980 لمواجهة صعود نجم حركة «تضامن» العمالية المستقلة هناك.
وقد كان لهذه التدخلات السوفييتية دورها فى التأثير على سلبا على شعبية الاتحاد السوفيتى السابق فى صفوف القوى الثورية والتقدمية فى بقية أنحاء العالم، فظهرت فى أوروبا ظاهرة «الأورو ــ شيوعية» التى حرصت على الاحتفاظ بمسافة تبعدها عن الاتحاد السوفيتى، وظهرت فى مناطق كثيرة من العالم ظاهرة «اليسار الجديد»، كما ظهرت وتطورت «مدرسة فرانكفورت» الفكرية التى تحدثت عن البحث عن «ماركسية ذات وجه إنسانى»، كما تزايد القبول عالميا باتهام الصين الماوية آنذاك للاتحاد السوفييتى بأنه يسعى للهيمنة على الدول الأخرى.
وإذا كانت قوى الاستعمار الأوروبى التقليدى قد اضطرت للخروج من بلدان الجنوب العالمى التى كانت تخضع لاحتلالها ونهبها لعقود طويلة تحت وطأة نضال حركات التحرر الوطنى بتلك البلدان وضغوط المجتمع الدولى فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن هذه القوى حاولت الالتفاف والعودة مرة أخرى إلى احتلال تلك البلدان أو على الأقل الحيلولة دون إقامة حكومات وطنية بها تحافظ على استقلال تلك البلدان وتراعى تكريس ثرواتها لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة، فسعت للتدخل فى شئون مستعمراتها السابقة، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر.
وسوف نعرض هنا ثلاث حالات من تلك التدخلات على سبيل المثال لا الحصر:
فقد كانت الأولى تتعلق ببلجيكا، والتى بالرغم من انتهاء احتلالها واستعمارها للكونفو كينشاسا آنذاك (الكونغو الديمقراطية الآن) فإنها لم ترتض سياسات الحكومة الوطنية بقيادة رئيس الوزراء آنذاك الزعيم الإفريقى الراحل باتريس لومومبا ورأت فيها تهديدًا لمصالح الشركات الاقتصادية البلجيكية، وبالتالى فسرعان ما تآمرت لتدبير ودعم حركة انفصالية فى إقليم «كاتانجا» الكونغولى لاستنزاف الحكومة الوطنية فى البلاد وتشتيت جهودها، ولم تكتف بذلك بل ودبرت اعتقال واغتيال الزعيم لومومبا فى عام 1961 للحفاظ على مصالحها الاقتصادية.
أما الحالة الثانية فكانت أيضًا فى حقبة الستينيات، ولكنها جاءت من جانب بريطانيا تجاه مستعمرتها السابقة غانا، فقد سعت سياسات الرئيس الغانى بعد الاستقلال «كوامى نكروما» إلى الحد من النفوذ الغربى فى بلاده، خاصة السيطرة الاقتصادية على مقدرات البلاد من جانب الشركات الغربية، وهو ما رأت فيه كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تهديدًا لنفوذهما ومصالحهما الاقتصادية، وأثناء تواجد الزعيم الراحل «نكروما» فى زيارة خارج بلاده عام 1966، دبرت كل من المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية، بشكل مشترك، انقلابًا عسكريًا أطاح بالحكم الوطنى للزعيم «نكروما».
وسيكون المثال الأخير الذى نشير إليه هنا هو ذلك المتعلق بما فعلته فرنسا تجاه مستعمرتها السابقة بوركينا فاسو، وذلك بعد سنوات من استقلال الأخيرة عن فرنسا، وذلك عندما تبنى الزعيم البوركينى الراحل «توماس سانكارا» سياسات الاعتماد على الذات ومقاومة الإمبريالية ورفض سداد الديون والسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحدى سيطرة فرنسا على مقدرات دول أفريقيا الفرانكوفونية، واعتبرت فرنسا تلك السياسات تحديًا لنفوذها السياسى والاقتصادى، ولذا دعمت انقلابًا عسكريًا دمويًا فى عام 1987 أطاح بالحكم الوطنى لـ «سانكارا» وتم قتل الزعيم البوركينى خلال الانقلاب.
وهكذا تبقى دائمًا دوافع القوى العظمى والكبرى واحدة مع تغير المسميات وتنوع الأشكال، ولكنها جميعًا لا تتردد فى التدخل فى شئون دول متوسطة أو صغرى، مع السعى لتوفير التبرير لذلك لإسباغ الطابع الشرعى والقانونى عليه، ولكن يكون الهدف الحقيقى هو حماية مصالحها أو تحقيق أهدافها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة