هذا العالم
الأربعاء 14 يناير 2026 - 7:50 م
أمسينا العام الماضى ونحن فى شكٍّ من استمرار ما يُعرف بالنظام العالمى بعد وهنٍ ألمَّ به، وصدماتٍ ومربكاتٍ لاحقت ما تبقّى منه. وها نحن، مع العام الجديد، نصبح على يقين من أن هذا «النظام» قد انتهى، وانهارت مصداقيته. وقد عاصر العالم مثل هذا الوضع من قبل، بتآكل بنيان النظام وإن بقيت بناياته كأعجاز النخل الخاوية، عندما عجزت القوى الحاكمة فى فترة ما بين الحربين العالميتين عن إحكام السيطرة، ولم يكن الأمر قد انعقد بعدُ للقوى الصاعدة لتمسك بزمام الحكم؛ فأوجد هذا فراغًا شغله شعبويون من الفاشيين والنازيين، الذين وصفهم الفيلسوف والمنظّر السياسى الإيطالى أنطونيو جرامشى بالمسوخ أو الوحوش الضارية.
ونلاحظ أن المتطرفين من الشعبويين، على اختلاف انتماءاتهم، لا ينشئون وضعًا جديدًا، بل تجدهم ماهرين فى قراءة ما أصاب المؤسسات القائمة من وهن، وما يعانيه الشارع من خذلان، فيمتطون الموجات الصاعدة النافرة من الأوضاع، ويعدون بتغييرات تدغدغ مشاعر الحانقين. فإذا وصلوا إلى سدّة الحكم، بأى سبيلٍ سلكوه، سارعوا بإجراءات انتهازية. وعادةً ما تشمل هذه الإجراءات استعداء الأجانب، وإن كانوا من الحلفاء المسالمين، والتنكيل بالأقليات والمهاجرين، وتقييد حركة التجارة والاستثمار إلا على ذوى الحظوة المقرّبين، واتهام نظم «بائدة» ومؤامرات خارجية وحبكات داخلية بسوء الأوضاع الراهنة، وإن لم يتسبب فيها حقًّا إلا سوء صنيع الشعبويين أنفسهم.
ولمزيدٍ من الإمعان فى المخاطر المرتقبة والتحسّب لها، مع اغتنام الفرص السانحة بسياساتٍ محكمة، يمكن الاسترشاد بتقارير أعدّتها مؤسسات عدة دأبت على إصدارها مع نهاية عام وبداية آخر. ولا ينبغى التعامل معها كتنبؤاتٍ بغيب، ولكنها قراءة للحاضر مستشرفة لاحتمالات قد يحملها المستقبل، ينبغى الاستعداد له بكل مستطاع. ومن كثرة ما هو متاح واطّلعتُ عليه، أسترشد بثلاثة تقارير: الأول من إعداد مؤسسة «أكسا»، وهى إحدى مؤسسات التأمين العالمية، وهى كمثيلاتها من قطاعها لا تكتفى برصد وتصنيف المخاطر، وإنما تُسعّرها. والتقرير الثانى من إعداد مجلة «فورين بوليسى»، ويصدر سنويًا منذ عام 2017. أما التقرير الثالث، فهو لمجموعة «يوراسيا» التى يقودها المحلل السياسى إيان بريمر.
ولنزن هذه المخاطر والتوقعات بميزانين: الأول أننا فى «واقع جديد» لما بعد «النظام» العالمى الذى صار بالفعل سابقًا، والآخر أن هذه التقارير متأثرة حتمًا بمحل نشأتها ومحيط إصدارها بانتمائها إلى نصف العالم الغربى؛ فعلينا أن نأخذ منها ونترك بحكم أولوياتنا وما نعتبره من مصالحنا.
أما تقرير «أكسا»، فيبدأ بتأكيد أن 95 فى المائة من الخبراء و93 فى المائة من عموم الناس المستطلَع رأيهم يرون أن الأزمات قد تكاثرت وارتفعت فى السنوات الأخيرة، وأن 85 فى المائة من المجموعتين تقريبًا يرون أن أغلب المخاطر التى يُخشى منها يمكن منعها جزئيًا بإجراءات مانعة. أما المخاطر فمرتّبة وفقًا للخبراء، فهى:1- تغيّرات المناخ، 2- التقلّبات الجيوسياسية، 3- الأمن السيبرانى، 4- الذكاء الاصطناعى والبيانات الضخمة، 5- التوترات والحركات الاجتماعية، 6- الموارد الطبيعية، 7- الاقتصاد الكلى، 8- مخاطر الطاقة، 9- مخاطر الاضطراب المالي، 10- التغيّر الديموغرافى.
أما تقرير مجلة «فورين بوليسى» عن المخاطر الأكثر تهديدًا، فكان ترتيبها كالآتى:1 - مستنقع الرئيس ترامب الاقتصادى، 2 - تفسّخ النظام الدولى، 3 - التحوّل الأمريكى بشأن الأميركتين باتباع ما يُعرف بـ«نهج مونرو» (الذى يعود للقرن التاسع عشر، بأن أى تدخل فى نصف العالم الغربى هو بمثابة عمل عدوانى)، 4- بداية عصر التهديد النووى الثالث بفعل الذكاء الاصطناعى والمخاطر السيبرانية (باعتبار أن العصر الأول هو سباق التسلّح فى الحرب الباردة، والثانى ما بعدها بتعهّدات تخفيض الترسانة النووية)،5 - تمرّد جيل «زد» (المولود من 1997 حتى 2012)، 6 - زيادة تمكّن الرئيس بوتين، 7- تدهور المناخ، 8- شرق أوسط مستمرّ الخطورة، 9- الذكاء الاصطناعى كمربكٍ أكبر،10 - تزعزع المنطقة الآسيوية – الباسيفيكية.
وتأتى أعلى المخاطر وفقًا لتقرير «يوراسيا جروب» على هذا الترتيب:1- الثورة السياسية الأمريكية،2 - تكنولوجيا الطاقة، 3- اتباع نهج مونرو – السابق ذكره – بشأن الأمريكتين،4 - أوروبا تحت حصار (الأزمات السياسية)، 5- الجبهة الثانية لروسيا (بتصعيد الحرب لما بعد أوكرانيا)، 6- رأسمالية الدولة بخصائص أمريكية، 7- فخ الانكماش فى الصين، 8- الذكاء الاصطناعى يأكل مستخدميه، 9- اتفاق «زومبى» فاقد للحياة فى أمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، 10- سلاح المياه.
وإلى أن أستعرض أولويات المخاطر والفرص لمنطقتنا العربية فى مقال قادم، أنتقى مما ذكرته التقارير السابقة بالتركيز على ما ورد فيها؛ فمنطقتنا منكشفة للمخاطر المذكورة جميعًا بنسب متفاوتة، وإن بعدت فى بعض الأحوال مراكز حدوثها: أمن المياه، بخاصة مع تغيّرات المناخ؛ وأمن الطاقة، وتحديدًا فيما يتعلق بالصراعات والارتجال فى إجراءات التحوّل غير العادل للطاقة؛ والصراعات الجيوسياسية القديمة والمستجدة التى تعانى منها منطقتنا؛ وتداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية، بما فى ذلك الديون. أما ما لم تذكره التقارير صراحة، وإن ارتبط بالطاقة والمياه والصراعات الجيوسياسية المذكورة، فهو الأمن الغذائى.
ما العمل إذن فيما بدأتُ به بشأن سقوط قواعد النظام الدولى، وانهيار السواتر الرقيقة التى كانت تتجمّل وراءها أفاعيل القوى الكبرى، مبرّرة تصرفاتها بشعارات كنشر الديمقراطية وحماية الحريات وبناء الأمم؟ العمل المطلوب يسير الوصف، ولكنه يستدعى الاجتهاد كله فى التنفيذ، بتحصين نظام الدولة من داخلها بإعلاء القانون، وحماية الحقوق، وتوطين التنمية، وسدّ منافذ الخلل وذرائع التدخل. فهل يُعير «نظام» دولى سقط أهمَّ ما يفتقده، وهو وجوده أصلًا؟
نقلًا عن الشرق الأوسط
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا