x قد يعجبك أيضا

إنقاذ ما تبقى من البحيرة

الخميس 12 فبراير 2026 - 8:00 م


كنتُ فى زيارة لمشروع افتُتح، لكنه لم ينتهِ بعد، وكنتُ بصحبة زملاء، وكانت خطتى أن أُريهم أولًا مراكبَ بحيرة البرلس التى سنحصل على عددٍ منها (مما به عطب لا يمكّنها من العمل فى البحيرة) لوضعها فى مدخل المشروع. كان زملائى، ومنهم زميل أمريكى، مذهولين من جمال المركب التى تُسمّى «لقّافة» (على اسم تقنية الصيد التى تستخدم شبكة تُسمّى لقّافة، أى التى تلتقط ما تقابله من أسماك، وهى تقنية مناسبة لعمق البحيرة القليل).
فى طريقنا، وبالقرب من موقع المراكب، رأيتُ لافتة مشروع تعميق بوغاز وبحيرة البرلس، ورأيتُ معدات الشركة المنفذة على شاطئ البحيرة. اندهشتُ لأننى أعرف أن بحيرة البرلس إحدى المحميات الثلاثين فى مصر، كما أنها مشتركة فى اتفاقية دولية لأن لها موقعًا فريدًا لتكاثر الطيور المائية، سواء على المستوى المصرى أو العالمى. كما أنها تمثل أحد المسارات الرئيسية لهجرة الطيور فى العالم، خاصة من شرق أوروبا وشمال غرب آسيا إلى وسط وجنوب إفريقيا، كما تُعدّ من أغنى مناطق مصر فى تنوعها الحيوى. هذا بالإضافة إلى أنها ثانى أكبر البحيرات الشمالية من حيث الحجم وإنتاجية الثروة السمكية.
ترتبط بحيرة البرلس بأحد أفرع النيل القديمة التى اندثرت ربما منذ آلاف السنين، ويُعدّ هذا الفرع هو المسئول عن تكوين رأس بلطيم، حيث كان مصبّه فى البحر يخترق بوغاز البرلس. وتشكلت البحيرة إثر انحسار البحر بعد انتهاء فترة البلايستوسين، حيث عملت بعض الحواجز الصخرية والرسوبية على حجز المياه خلفها. وكما ورد فى تقرير وزارة البيئة عن المحمية، كانت منطقة البرلس منذ مئات، أو ربما آلاف، السنين أقلّ جفافًا، أى أكثر مطرًا من عصرنا الحالى، وكان شاطئ منطقة الدلتا يتكوّن أساسًا من طمى مترسب من فيضانات النهر، وتزداد فيه المستنقعات والمنخفضات. فى موسم الفيضان كانت هذه المنخفضات تمتلئ بالمياه العذبة، مكوِّنة سلسلة من البحيرات الصغيرة والأراضى الرطبة. وكانت هذه المستنقعات مليئة بالمواد العضوية والرسوبيات الناتجة من تحلل بقايا النباتات؛ لذلك كانت معظم هذه المياه عديمة الأكسجين، كما كانت مليئة بأصداف بعض الرخويات. أما المنطقة الساحلية من البحيرة فتكوَّن فيها شاطئ رملى نتيجة الرسوبيات التى كانت تنقلها أمواج البحر المتوسط. وقاع البحيرة معظمه رملى، ما عدا البوغاز الذى يختلط فيه الرمل ببعض الطمى، ومنطقة الشريط الساحلى فى حالة متغيرة دائمًا.
ويذكر التقرير أيضًا أن محمية البرلس تُعدّ من أغنى المناطق فى تنوع أنواع النباتات، وكذلك فى عشائر النباتات المميزة لأنواع البيئات المختلفة. وتم أيضًا تسجيل العديد من الهائمات الحيوانية فى بحيرة البرلس، تمثل المجموعات الثلاث الرئيسية للهائمات، وهى: العجليات، ومجدافيات الأرجل، وخيشوميات الأرجل. كما تم تسجيل 33 نوعًا من كائنات القاع تنتمى إلى ثلاث مجموعات رئيسية: مفصليات الأرجل، والديدان الحلقية، والرخويات من أنواع المياه العذبة. أما الأنواع البحرية التى سُجلت خلال الثمانينيات فقد اختفت تمامًا خلال السنوات القليلة الأخيرة، ولم يبقَ إلا أصداف بعض الرخويات البحرية. كما تم تسجيل العديد من أنواع العقارب والعناكب والحشرات، وتسجيل نحو 33 نوعًا من الأسماك، و22 نوعًا من البرمائيات والزواحف، وحوالى 93 نوعًا من الطيور، والتعرّف على نحو 14 نوعًا من الثدييات.
كل هذا التنوع فى الكائنات يدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة العمل فى مجالات الصيد والزراعة والرعى واستخراج الملح لجزء كبير من سكان ما يقارب 63 تجمعًا سكنيًا بنطاق المحمية، والمقدر عددهم بحوالى 400 ألف نسمة. كما تدعم المحمية العديد من الجهات العلمية والبحثية فى مجالات رصد الطيور والمياه.
• • •
المحمية هى أيضًا أحد مواقع اتفاقية رامسار الدولية كمحمية أراضٍ رطبة. وهذه الاتفاقية مهمتها الحفظ والاستعمال الحكيم للأراضى الرطبة من خلال الإجراءات المحلية والوطنية والتعاون الدولى، وذلك مساهمةً فى تحقيق التنمية المستدامة محليًا وعلى مستوى العالم. وتُعدّ الأراضى الرطبة من بين أكثر النظم البيئية تنوعًا وإنتاجية؛ فهى توفر خدمات أساسية متعددة، كإنتاج الطعام، ودعم منظومة المياه، وتوفير أماكن للتنزه والترفيه. وتتعهد الأطراف المشتركة بالعمل من أجل الاستخدام الرشيد لجميع أراضيها الرطبة، وتسجيل الأراضى الرطبة المناسبة فى قائمة الأراضى الرطبة ذات الأهمية الدولية، وضمان الإدارة الفعالة لها.
تورد الهيئة العامة للاستعلامات فى موقعها أن مشروع تطوير وتعميق بحيرة البرلس يأتى ضمن اهتمامات الدولة بالبحيرات، وأن المشروع يتم عبر ثلاث مراحل؛ تم الانتهاء من المرحلتين الأولى والثانية، وجارٍ العمل بالمرحلة الثالثة بتكلفة مليار و580 مليون جنيه. شملت المرحلة الأولى تطوير وتعميق مساحة 1808 أفدنة، بالإضافة إلى تطهير مدخل البوغاز. أما المرحلة الثانية فشملت تطهير وتعميق 1500 فدان، وحماية جوانب البوغاز، وحفر أربع قنوات شراعية، وإنشاء رصيفين بحريين. وستشمل المرحلة الثالثة تطهير قناة برمبال بمطوبس، وتطهير وتعميق 3026 فدانًا، وكذلك تطهير سبعة مصبات صرف زراعى. ويؤكد الموقع أن ذلك يتم فى إطار الحفاظ على البيئة وعدم تلوث البحيرة، لزيادة إنتاجها من الأسماك من مختلف الأنواع لخدمة صغار الصيادين وأبناء المحافظة، مع إزالة الحشائش والغاب والبوص والأحراش منها، وتعميقها وزيادة مساحة الصيد الحر، وتطهير وتعميق بوغاز البرلس بما يسمح بدخول مياه البحر المتوسط المالحة إلى البحيرة للقضاء على الحشائش والبوص المنتشر بها، مع وقف عمليات الصيد المخالفة، ومكافحة صيد الزريعة، وإطلاق ملايين الزريعة الصغيرة من الأسماك بها سنويًا.
وأكد ذلك موقع الشركة المنفذة، حيث ذكر أن المشروع يتم فى إطار خطة الدولة لتنمية الثروة السمكية وإزالة كافة المعوقات لزيادة سريان المياه من البحر إلى البحيرات، وأضاف أن مشروع أعمال تطهير وتعميق البوغاز يهدف إلى تعظيم الاستفادة من تأثيرات الرياح فى فترات النوات على الأمواج، وبالتالى زيادة كميات مياه البحر الداخلة إلى بحيرة البرلس، ونقل ناتج التكريك أمام كورنيش بلطيم.
• • •
بينما تبدو الأمور فى صورة مثالية وفقًا للموقع الرسمى، فإن بحثًا نُشر حديثًا يرصد تحفظات وقلق الصيادين فى البحيرة، حيث يرون عيوبًا جسيمة فى العمليات الجارية. مثل «انخفاض كمية الإنتاج السمكى من أسماك المياه العذبة نتيجة إزالة الحشائش المائية التى كانت بمثابة المأوى والغذاء لتلك الأسماك»، كما أنها ستؤثر على «عملية الصيد، خاصة أن معظم المراكب التى تعمل فى البحيرة شراعية صغيرة، والقضاء على حرفة صيد الأسماك بالجوبية نتيجة عملية التطهير، التى كان يعمل بها عدد كبير من الصيادين، مع زيادة العكارة وعدم استقرار الأسماك فى مكان واحد، مما يقلل من كمية الإنتاج، ومن ثم دخل الصيادين». وعلى نحو آخر فإن «سهولة صيد الأسماك بحرفة الجر بعد إزالة الغاب والبوص والحشائش تضر بالمخزون السمكى».
ما دار فى ذهنى هو تساؤل حول ما إذا كان هذا المشروع سيؤدى إلى التطوير والتنمية أم سينتهى إلى عكس ذلك، خاصة أن المنظومة الإيكولوجية لهذا المورد الطبيعى الهام معقدة ومركبة بصورة لا تسمح بتخيل واضح أن تعميق البحيرة لن يقضى فقط على الكائنات التى تعيش فى القاع، بل سيؤثر بالتأكيد على الكائنات الأخرى التى تعتمد عليها، مثل الأسماك، وهو ما سيؤثر بالتالى على الكائنات التى تعتمد على الأسماك، ومنها الطيور والإنسان بطبيعة الحال، بالإضافة إلى كائنات أخرى؟. والسؤال الآخر الذى يقلقنى هو: كيف سيتحول التوازن البيئى للبحيرة نتيجة تعميق البوغاز وأماكن أخرى فيها؟
المشكلة الكبرى - وليس فى مصر فقط - أننا أحيانًا كثيرة نتعامل مع الطبيعة وكأن الحفاظ عليها اختيار يُوضع أمام اختيارات أخرى، بينما واقع الأمر، وطبقًا للدراسات والأبحاث العلمية، فإن هذا الخيار ليس مطروحًا؛ إذ لا نجاة لنا كبشر وكائنات أخرى من دون الطبيعة. وهذا يعنى لا طعام كافيًا وجيدًا، ولا ماء كافيًا وجيدًا، ولا هواء جيدًا، من دون طبيعة ذات حالة صحية جيدة. لا أعلم إن كان تبقّى وقت لإنقاذ البحيرة أو أجزاء منها، لكن لا ينبغى أن نستسلم للمنطق الهندسى المبسّط الذى يعانى منه العالم الآن فى كل مكان، ولا يجب أن نكرر الأخطاء أو الكوارث التى حدثت فى أماكن أخرى؛ لأن ما لدينا هنا فى مصر من موارد طبيعية ليس بالكثير كى نضحى به. أتمنى أن تستشير الحكومة أطرافًا دولية، نظرًا لأن البحيرة جزء من اتفاقية دولية، ولها بالتالى تلك الأهمية الكبرى التى تدعونا إلى بذل كل ما نستطيع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة