يجمعنى حوارٌ مستمر منذ سنوات مع أحد جيرانى، الذى يعمل أستاذًا للعلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، حيث يتخصص فى نظم أمريكا الجنوبية والوسطى. ونتحدث دومًا حول الشأن السياسى الداخلى. وتعد أحاديثنا فرصة جيدة للجار الأكاديمى كى يناقش أحد العارفين بطبيعة النظم التى لا يعرفها الأمريكيون، كونى مصريًا قادمًا من منطقة لا تعرف الديمقراطية. وفى المقابل، تمثل هذه الحوارات فرصة جيدة لى لفهم كيف يفكر أحد تيارات النخبة الأمريكية حول معضلة الديمقراطية الداخلية وتحدياتها الضخمة، مع استدعاء خبراته الواسعة فى تجارب أمريكا الوسطى والجنوبية.تكشف نقاشاتنا دومًا عن اختلاف فى رؤيتنا وتناقض فى قراءاتنا، وهو أمر ليس بجديد. فمنذ وصول الرئيس ترامب إلى الحكم عام 2016، تخلصت مناقشاتنا من قلق كبير لدى الجار الأكاديمى، الذى يرى بلاده تتجه، بلا أدنى شك، نحو نظام سياسى استبدادى فاشى، فى حين أرى أنا أن أمريكا ما زالت محصنة ضد الاستبداد والفاشية لأسباب عديدة، حتى لو وصل إلى الحكم مرتين شخص يحلم بالفاشية مثل ترامب.وبعيدًا عن الخلافات الأكاديمية المتعلقة بتعريف الاستبداد أو الفاشية، اتفقنا على تبسيط المفهوم واختصاره فى وجود حكومة مستبدة، وحريات سياسية قليلة، وسيطرة قوية على أجهزة التواصل والإعلام، مع جماهير تثيرها النزعة القومية. ومنذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض لفترة حكم ثانية، يرى الجار أن احتمال وجود نظام سياسى مستبد فى واشنطن ارتفع بشدة ليصل إلى أكثر من 50%. ويرى كذلك أن سيطرة ترامب شبه المطلقة على الحزب الجمهورى، وتمتع الحزب بأغلبية - وإن كانت بسيطة - فى مجلسى الشيوخ والنواب، مع وجود محكمة دستورية تميل إلى المواقف والسياسات المحافظة، يُسهل مهمة ترامب، الذى يريد أن يحكم كملك لا كرئيس، بل يكرر فى مناسبات كثيرة رغبته فى مخالفة الدستور والترشح لفترة حكم ثالثة.ويعتقد الجار أن الاستقطاب السياسى بين الجمهوريين والديمقراطيين يسهل من مهمة ترامب فى التأسيس لنظام استبدادى فاشى. ويرى أيضًا أن طبيعة الأحزاب السياسية فى أمريكا كانت تقليديًا ضعيفة، إلا أن حالة الاستقطاب الحادة منحتها قوة لم تُخطط لها ولم تكن مستحقة بهذا القدر. وأصبح للحزب نفوذا كبيرا على نمط تصويت أعضائه فى الكونجرس، الذين باتوا يخشون على مقاعدهم حال معارضتهم لسياسات ترامب، الذى يمكنه معاقبة الأعضاء مباشرة بالتهجم عليهم وطلب التصويت ضدهم من قاعدته الشعبية المتزايدة فى دوائرهم الانتخابية الجمهورية. ويرى الجار الأكاديمى أن ترامب هو التعبير الصريح عن أمراض الديمقراطية الأمريكية التى لم تطور نفسها، بل تدهورت خلال نصف القرن الأخير. ويرى أنه قد آن الأوان لأن يصبح النقد الذاتى للديمقراطية الأمريكية ذا طبيعة عملية تسمح بخروج بديل ثالث ينافس الحزبين الرئيسيين.• • •على الرغم من موافقتى العامة على ما ذكره الجار الأكاديمى، فإننى لا أخشى بعد من التأسيس للاستبداد أو الفاشية داخل أمريكا. فارتبط نجاح النظم الفاشية الاستبدادية تاريخيًا بسيطرة شبه مطلقة على وسائل الإعلام، حيث تُسكت الأصوات والآراء المعارضة، فلا يبقى إلا صوت الحكومة. وتدل خبرة السنوات والأشهر الأخيرة على استحالة تحقيق هذه الفرضية فى الولايات المتحدة. كذلك تُصعّب طبيعة النظام الفيدرالى الأمريكى من سيطرة المركز (أى من يسيطر على واشنطن) على بقية الأطراف. ولا يستطيع ترامب أن يُطوّع النخبة الثقافية أو الأكاديمية أو الفنية أو التكنولوجية، كما كان الحال فى الفاشية الإيطالية أو الألمانية فى ثلاثينيات القرن الماضى. ومن حسن حظ أمريكا أن نخبتها، التى تمثل مراكز صناعة القوة الحقيقية، منتشرة بطول وعرض ولايات الاتحاد الأمريكى، وتقود هذه المراكز قافلة التقدم الأمريكى بعيدًا عما يحدث فى واشنطن.إلا أن ذلك لا يعنى عدم وجود تواطؤ كبير بين كبريات شركات التكنولوجيا وإدارة ترامب ورغباتها الاستبدادية. فقد اصطف كبار ممثلى شركات التكنولوجيا، فى مشهد لافت، خلف ترامب فى خطاب تنصيبه الثانى يوم 20 يناير 2025. ويهدف هؤلاء إلى الضغط من أجل إلغاء القيود الحكومية، وتسهيل النشر السريع للتقنيات المتطورة التى قد تحل محل العديد من مهام العمال ذوى الياقات الزرقاء، وتقليص الدور الحكومى والقيود التنظيمية بصورة عامة. ومن جانبه، يطاوع ترامب هؤلاء اعتقادًا منه بإمكانية استغلالهم فى خططه المستقبلية.• • •أكرر لجارى الأكاديمى أن عقد ترامب الرئاسى سينتهى تمام الساعة الثانية عشرة ظهر يوم 20 يناير 2029، وأنه سيكون رئيسًا سابقًا بعد ذلك. وأذكره بأنه عقب الحرب العالمية الثانية عرفت أمريكا لسنوات ظاهرة المكارثية، التى انتشر معها خطاب الخوف والكراهية والشعبوية القومية. إلا أن المكارثية فشلت بسبب وجود سياسيين وصحافيين وأكاديميين وفنانين امتلكوا شجاعة كافية للنقد والمقاومة. وما تراه أمريكا اليوم أقل وطأة من تجربة المكارثية. لكن يبقى أن ترامب يمثل حالة شعبوية مختلفة فى طبيعتها ونطاقها، وتزداد خطورتها بفعل التطور الهائل فى قدرات الأدوات التكنولوجية الحديثة. ومع ذلك، فهى تمثل - فى أحد جوانبها - حركة احتجاج شرعية (لدى بعض ناخبى ترامب) راغبة فى إصلاح سياسى لديمقراطية أمريكية لم تُجدّد نفسها ولا أفكارها خلال نصف القرن الأخير.
مقالات اليوم محمد بصل المتلاعبون بأعصاب المستأجرين والمُلّاك إبراهيم العريس ولكن ماذا عن الإبداعات التى لم يتمكن أصحابها من إنجازها؟ (1 من 2) خالد محمود جيهان زكى .. والملفات المؤجلة نبيل الهادي إنقاذ ما تبقى من البحيرة مواقع عربية العبودية الرقمية.. وديكتاتورية الخوارزميات
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك