لو كنّا من تلك الشعوب السعيدة التى يُقيَّض لها، ولو بين الحين والآخر، أن تعيش بشىء من راحة البال النسبية، تمكّنها من الالتفات حقًّا إلى المبدعين الحقيقيين بين أبنائها، وغالبًا لمناسبة من المناسبات، كذكرى ولادة أو رحيل، أو أى شىء من هذا القبيل... لو كنّا كذلك، لكان من واجبنا أن نطرح دائمًا سؤالًا قد يكون من شأنه أن يشغل بالنا. هو سؤال قد يتعلّق بما يشبه البديهة: ترى ما المصير الذى آلت إليه تلك الأحلام الإبداعية التى هجس بها هذا المبدع أو ذاك، وملأت لياليه وأرقته، هو الذى بدا، ذات لحظة من حياته، متمسّكًا بإنجازها كما هى، لكنّ العديد من الظروف تضافرت لتحول بينه وبين ذلك الإنجاز؟ فكان أن رحل المبدع عن عالمنا دون أن تتحقّق، فماتت بموته، وغابت غالبًا فى النسيان.طبعًا، ليس ثمة فائدة من الاسترسال فى تسمية تلك الأحلام المجهضة، ولو فيما يخصّ مبدعًا واحدًا فى قائمة واحدة وحقبة زمنية معيّنة. ففى النهاية، نعرف أنّ مجلدات عديدة لا تكفى لذلك، ولو على سبيل الإحصاء وحده. وما من مكان يتّسع، بالتالى، لإحصاء مجمل تلك «الأعمال» التى لم تتحوّل أبدًا إلى أعمال إبداعية «حقيقية». ولكن فى إمكاننا، فى معظم الأحيان، أن نفترض أنّ لدى كل مبدع، عندنا وعند غيرنا، «نتاجات» من هذا النوع بقيت، من جرّاء عدم تنفيذها، وبالتالى عدم تدخل أحد غيره فيها، أعمالًا خامًا ربما تعبّر عن حقيقته الإبداعية أكثر من أى عمل نفذه حقا فى حياته. وذلك لسبب بديهى، هو أنّ الأعمال التى نُفّذت، حتى ولو كانت قصائد شعرية شديدة الذاتية أو بورتريهات ذاتية أو أى شىء من هذا القبيل، تحمل من «التنازلات» عبر «المرشّحات» التى تمرّ بها ما يفقد تلك المشاريع براءتها الخالصة، ويُبقى تعرّفنا إلى حقيقة إبداع مبدعها غير مكتمل على الإطلاق.غير أنّ هناك، فى أحيان كثيرة، إبداعات ما إن نكتشف وجوهها، بعد رحيل أصحابها، حتى تضحى هاجسًا بالنسبة إلينا. ولعلّ من أشهر هذه الهواجس لدينا هنا عملين فنيين كبيرين لا يمكن لنا أن ننساهما، حتى وإن كنّا نعرف عن يقين أنّهما سيبقيان طى الذاكرة الخاصة لا يبرحانها؛ فإن بارحاها، لن يكون أى منهما كما كان يمكن أن يكون لو أنّ العمر طال بالمبدع الذى هجس بكل واحد منهما طوال حياته، ومات دون أن يتحوّل هاجسه إلى واقع فنى حى.ونتحدّث هنا عن عملين لم ترتبط بهما ذكرى مبدعيهما فقط، بل أيضًا ذاكرة صديق للمبدعين ومتابع لنشاط كلٍّ منهما الإبداعى خلال فترة من حياته. وما هذا الصديق سوى كاتب هذه السطور. وما هذان العملان الإبداعيان سوى فيلم كان السينمائى اللبنانى برهان علوية (1941 – 2021) يهجس بتحقيقه، وآخر كان الكاتب المصرى الكبير صنع الله إبراهيم (1937 – 2025) يهجس به من ناحيته: شريط عن جبران خليل جبران بالنسبة إلى الأول، وسيناريو عن «القرامطة» بالنسبة إلى الثانى. لكن أيّا من الفيلمين/الحلمين لم يتحقّق، وإن كانت مراجعتنا للأوراق المتعلّقة بكل واحد منهما تكاد تشى بأنّ كليهما كان مكتملًا تمامًا فى ذهن صاحبه، بل يكاد يكشف أنّ ما أنجزه كل واحد منهما لتحقيق مشروعه، وإن بقى حبرًا على ورق، يبدو أكثر صدقًا وأريحية فى التعبير عن مبدعه من كل ما حقّقه بالفعل طوال حياته: أفلام برهان علوية من جهة، وروايات صنع الله إبراهيم من جهة ثانية.وهنا، لئن كنّا سنبدأ الحديث عن «جبران» علوية، فإننا سنتحدّث فى حلقة مقبلة عن «قرامطة» صنع الله إبراهيم، علمًا بأنّه، وإن كان مشروع علوية لا يمكن أن يفاجئ أحدًا- أولًا لأن هذا السينمائى، المؤسس مع مارون بغدادى لحراك الفن السابع الجديد فى لبنان منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين، كثيرًا ما تحدّث عن مشروعه فى نهايات حياته، وبدا فى أحيان كثيرة وكأنه على مبعدة «سنتيمترات» من لحظة تحقيقه، كما اعتاد أن يخبرنا متفائلًا؛ وثانيًا لأن المشروع بدا من البداهة بحيث نحتار اليوم ونحن نتساءل: لماذا لم يتحقّق؟- فإن مشروع صنع الله إبراهيم يبدو حافلًا بالمفاجآت التى نترك الحديث عنها إلى الأسبوع المقبل.وفى انتظار ذلك، قد يكون من الضرورى التذكير بأنّ الأساس فى ما نذهب إليه هنا، من العلاقة التى نراها متماسكة بين صاحب المشروع وموضوعه، ليس أنّ هذا المشروع كان من شأنه أن يضيف - لو تحقّق، وهو بالتالى، ومن منظورنا، «يضيف» حتى وإن لم يتحقّق- ما يزيد من تعرّف المتلقّين إلى جبران خليل جبران، بل ما يزيد من تعرّف جمهرة المتلقّين إلى برهان علوية نفسه. ففى نهاية الأمر، حين يُقدم مبدع من طينة برهان علوية على «التعامل» مع موضوع كحياة جبران وكتاباته، من المؤكّد أنّه لن يقاربه من منظور تأريخى موسوعى، أو حتى سجالى، بل من منظور شديد الذاتية، يتعلّق حقّا بكيف يرى مبدعٌ كعلوية مبدعًا سبقه كجبران.والحقيقة أنّ متابعتى، ككاتب لهذه السطور، لتفاعل برهان علوية، ككاتب للسيناريو، مع تلك الشخصية على مدى ثلاث أو أربع سنوات، جعلتنى أتعايش، من خلال برهان، مع شخصية كاتب لم أكن أستسيغه ولا أحب كتاباته على أيّة حال. وبالتالى، بالنسبة إلىّ، أنا المنادى بمفاهيم «لغة الذات»، كان تفاعلى مع «اكتشافات» برهان علوية اليومية خلال اشتغاله على نص عن جبران يستند أساسًا إلى تلك السيرة التى كتبها لصاحب «النبى»، وبالفرنسية، واحدٌ من أفضل من عرضوا سيرة جبران، جان بيار دحداح، بقدر كبير من التجرّد والجرأة. كان ذلك التفاعل يؤدّى بى إلى إدراك، أكثر فأكثر، بأنّ الفيلم الذى كان سينتج عن ذلك النص سيكون فيلمًا عن برهان علوية، وربما عن جيل برهان علوية، بأكثر كثيرًا مما هو فيلم عن جبران.لم يكن سيناريو المخرج الطليعى اللبنانى يتوخّى الاستفادة من، أو تعزيز، الأسطورة التى تحوّل إليها الكاتب الأيقونى الشهير. لكنه، فى المقابل، لم يتوخَّ كذلك أن يكون فيلمه نسفًا لأسطورة جبران من خلال «فضح» ما يبدو مسكوتًا عنه اليوم من سيرته. فهو، لو كان يتوخّى ذلك، لكان من الأسهل عليه أن يستند إلى كتابين كبيرين عن جبران ساهما فى «نسف» الأسطورة الجبرانية بقوة إقناع مدهشة: كتاب ميخائيل نعيمة وكتاب يوسف الصايغ. لكنه آثر أن يستقى جزئيًا منهما، وبشكل أكثر توسّعًا، من «جبران» جان بيار دحداح، ليصل من خلال ذلك إلى جبرانه الخاص. وربما أيضًا إلى.. «شيعية جبران»، بما يقرّب الشخصية، ولكن من دون أيّة دلالات إيجابية قد تفرضها «شيعية» برهان علوية نفسه.وطبعًا، لن نقول هنا كيف، لكننا نقول إنّ برهان علوية لو حقّق مشروعه لبدا، فى نهاية الأمر، وكأنه يؤرّخ لنفسه بأكثر مما يؤرّخ لشخصية جبران. ولعلّ علينا هنا أن نكتفى بهذه الإطلالة على واحد من تلك المشاريع البديهية التى أجهضها رحيل صاحبها، فى انتظار أن نعود فى الأسبوع المقبل إلى «قرامطة» صنع الله إبراهيم.. عبر تساؤلات لا تقلّ إثارة للحيرة الإبداعية من أيّة أسئلة طرحناها هنا، مضمرة بالطبع، من حول «جبران» برهان علوية.
مقالات اليوم محمد المنشاوي نقاش مع جارى الأكاديمى حول ديمقراطية أمريكا محمد بصل المتلاعبون بأعصاب المستأجرين والمُلّاك خالد محمود جيهان زكى .. والملفات المؤجلة نبيل الهادي إنقاذ ما تبقى من البحيرة مواقع عربية العبودية الرقمية.. وديكتاتورية الخوارزميات
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك