صادفتُ زميلةً فى العمل البارحة، تفاجأت بصدور كتابى الجديد، علمًا أن الحدث أُقيم منذ نحو شهر، وهى بالذات كانت تتابعه عبر خاصية الـ«ستوريز» على «إنستجرام» واضعة شارات الإعجاب! ماذا وراء هذه القصة؟ أكّدت لى هذه الحادثة ما تثبته الدراسات العملية مؤخرًا من تباطؤ فى الذاكرة أو فقدانها، بسبب كمية المعلومات التى تُضخ فى عقولنا يوميًا عبر طيف هائل من وسائل التواصل الاجتماعى والمنصات الرقمية والهواتف الذكية. تشير دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة هارفارد، وجامعة أكسفورد، وكلية كينجز كوليدج لندن، إلى وجود أدلة تفيد بأن الإنترنت يُقلّص حجم المادة الرمادية فى الدماغ، ويُقصّر مدى الانتباه، ويُضعف الذاكرة، ويُشوّه العمليات المعرفية. وتشمل المناطق الدماغية المتأثرة: «قدرات الانتباه، حيث يُشجّع التدفق المستمر للمعلومات عبر الإنترنت على تشتيت انتباهنا بين مصادر إعلامية متعددة»، و«عمليات الذاكرة»، و«الإدراك الاجتماعى». وقد دفع تنامى هذه الظاهرة بعدد من الباحثين إلى تسميتها بـ«تعفّن الدماغ» أو brain rot، وهو مصطلح يصف التدهور العقلى الناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمى التافه والسريع، ويؤثر فى القدرة على التركيز والإبداع، ويسبب ضبابية الدماغ. • • •بحكم مهنتى فى الصحافة والتليفزيون، يسألنى عدد كبير من الناس عن مصادر معلومات موثوقة، وبطبيعة الحال أرشدهم إلى قراءة مقالات وأبحاث موثوقة. تجاوز النقاش مسألة ما إذا كان الناس يقرأون أم لا، بل باتت المسألة أن الناس، وفى حال قرروا التعمق فى موضوع ما، يريدون ذلك أن يكون سريعًا كإيقاع حياتهم. بالمناسبة، إيقاع حياتنا سريع لا لأننا اخترناه كذلك، بل لأن المنظومة الرأسمالية التى نعيش فى كنفها تريدنا دائمًا مستعجلين، لاهثين وراء تدبير شئون حياتنا اليومية، علمًا أن ما ننشغل به فى هذه الحياة الكثيفة، من محاولة العيش بكرامة وأمان، يُعدّ حقًا من حقوقنا البديهية التى لا ينبغى أصلًا أن نطالب بها. عندما لاحظت كيف يقرأ الناس أى معلومة وكيف يستهلكونها، تبادر إلى ذهنى كيف نأكل فى عصر السرعة: وجبات سريعة، مطاعم سريعة، «ستوريز» سريعة، أصدقاء مجرد تكملة للمشهد السريع. لا وقت لأخذ نفس أو الاستمتاع باللحظة. هكذا انتقل نمط حياتنا الغذائية من الـ(Fast food) إلى الـ(Fast consumption of news). وكما يسبّب الأكل السريع مشاكل عسر هضم، فإن قراءة المعلومة أو تلقيها تصطحب معها سوء هضمها. بالمناسبة، هناك ربط سببى بين هذا النمط من «التصفح السريع» للمعلومة وخصائص جيل «زد»، الذى لا يمتلك صبرًا ليُكمل أمرًا ما - مهما بلغت درجة شغفه به - من أوله إلى آخره. جيل لا يريد الالتزام بشىء، ويترك دائمًا خياراته مفتوحة، وينتقى ما يحلو له من لحظات ومشاعر وتجارب، ولا يحب الخضوع لأى أمر. تواصله مع العالم الخارجى محدود، وهو من يقرّر ماهيته وكيفيته. شاعت مؤخرًا مشاركة «ريلز» إنستجرام بين دوائر من الأشخاص الذين يستقون معلوماتهم من منصة إنستجرام. والـ«ريلز» هى فيديوهات قصيرة تتراوح مدتها بين 60 و180 ثانية، تعرض محتوى بصريًا وسمعيًا يتضمن معلومات عن شتى ظواهر الحياة. وعندما أُرسل لبعض الأشخاص مقالًا حول قضية سياسية معينة، فإنه فى الغالب سيتأفف من قراءة «كل هذا»، ويقول لى: هل من ملخّص لهذا المقال؟ علمًا أن اختيارى للمقال يكون انتقائيًا، وبالقدر الكافى من المعلومات المكثفة التى تتيح للقارئ الإحاطة بالموضوع المطروح. لكن الشخص المعنى لا يقرأ. ليس عدم امتلاك الوقت هو السبب، فالدراسات تفيد بأن كل شخص منا يقضى نحو 38 دقيقة يوميًا فى متابعة «ريلز» إنستجرام. وإذا اعتبرنا أن قراءة مقال من 500 كلمة تستغرق ما بين 10 و15 دقيقة، فهذا يعادل تمامًا الوقت المخصص لقراءة مقالين حول قضية سياسية أو اجتماعية. لكن المسألة ترتبط بعدم الرغبة فى التخصص فى موضوع واحد، إذ تطغى الكمية على النوعية. نريد أن نقضى وقتنا بمتابعة أمور عدة فى مجالات مختلفة، ولا وقت للتعمق فى موضوع واحد، وهى من سمات جيل «زد» التى استعرضناها أعلاه. فى فلسفة الـ(scrolling)، نريد أن نستهلك أكبر عدد ممكن من المعلومات فى أقل قدر من الوقت، كى لا يفوتنا شىء فى عالم قادر على إدهاشنا كل ثانية. وهذا ما يُعرف بـFear of Missing Out. يخاف الناس من أن يفقدوا ما يدور حولهم، علمًا أن ما يدور حولهم هو فى الغالب وهم، وانطباعات مبالغ فيها، وفقاعات لحظوية وترندات عابرة. كل هذا يصنع ذائقة عامة مائلة إلى التسطيح والتشويه، والفراغ الفكرى، والهراء القيمى، والتدنى المعرفى. راقبوا كيف يوثّق هذا الجيل تجاربه فى أى أمر يخصه أو يودّ مشاركته مع العامة. تُصوَّر اللحظة وتُوثَّق قبل اختبارها. وهذا بالذات ما صنعته الماكينة الإعلامية للمنظومة الرأسمالية: كل شىء قابل للاختفاء، السعادة تُعاش للحظة، نصفها للتوثيق والنصف الآخر للمعايشة، أثر اللحظة يختفى بعد 24 ساعة نسبة لمدة الـ«ستوريز»، الناس - مثل اللحظات - عابرون، الأماكن مؤقتة، العلاقات مبتورة، المدن متنقلة، ولا ذاكرة حيّة.إذا كان نمط جدول حياتنا قد تغيّر، فإن هذا التغير اصطحب معه تغيرات فى القراءة من حيث الكيفية والماهية والتوقيت، كما بيّن المقال أعلاه. وأعنى هنا القراءة بوصفها وقتًا لممارسة هواية، وقد تكون هواية أخرى. لكن القضية الإشكالية هنا هى: من سرق من حياتنا الوقت، وحوّل أوقاتنا إلى ركض مستمر باتجاه تأمين مستلزماتنا الأساسية، وبالتالى حرمنا من ممارسة أى هواية؟ • • •من دون الاستناد إلى إحصاءات ودراسات، يعانى معظم سكان المعمورة من أرق مستمر نتيجة الإرهاق الجسدى والنفسى الذى أجبرتنا المنظومة الرأسمالية على العيش فى كنفه والتأقلم مع طبيعته. مع العلم أن حالة اللايقين كان ينبغى أن تقل لا أن تزداد، بفعل الاكتشافات العلمية التى رافقت الحياة البشرية منذ الثورة الصناعية حتى يومنا هذا. لكن هذه الاكتشافات لم تؤدِ إلى تعميم وسائل الرخاء وتحقيق العدالة بين البشر، بسبب الفجوة الطبقية التى تميّز كل صراع فى هذا العالم، بين من يمتلك وسائل الإنتاج ومن يستهلك السلع والخدمات. أغلب الظن أنك صادفت مؤخرًا عوارض صحية استدعت زيارة الطبيب، وأغلب الظن أيضًا أن طبيبك أجرى لك فحوصات ليتبيّن أن ما تعانيه ليس ناجمًا عن مشكلة فيزيولوجية، بل عن الـ(stress)، أو ما يُعرف بمرض العصر. فى الحقيقة، إن التعب والإرهاق اللذين نعيشهُما يوميًا يساهمان فى تدهور صحتنا الجسدية والعقلية، ما يحرمنا من النوم. وحرماننا من النوم أصبح بدوره ساحة جديدة للرأسمالية لتسليعه وبيعه لنا. ظهرت منتجات مخصصة للمساعدة على النوم، مثل الأجهزة القابلة للارتداء عالية التقنية، ومراتب مراقبة النوم، والبطانيات المرجّحة، والميلاتونين، والمغنيسيوم، وشاى النوم، وأشرطة النوم، والتنويم المغناطيسى، وأقنعة النوم، ومخاريط الأنف. ووفقًا لكتاب المؤرخ روجر إكيرش «التحول العظيم فى النوم: كيف غيّرت الثورة الصناعية ليالينا»، تبلغ قيمة اقتصاد النوم العالمى، المؤلف من هذه المنتجات، نحو 600 مليار دولار. لكم أن تتخيلوا كم مليونيرًا رأسماليًا سيستفيد من عدم قدرتنا على النوم. هم فى الأصل يستفيدون من عدم قدرتنا على العيش، وبذلك تكون الرأسمالية قد سلبت منا العيش 17 ساعة فى النهار (اللهاث وراء الاستهلاك)، و7 ساعات من النوم ليلًا (نتيجة عدم إشباع حياتنا فى النهار). • • •فى السابق، كانت السلاسل الحديدية تحيط بأقدام العبيد لمنع هروبهم من العمل الإجبارى، كما ساد فى مرحلة العبودية من التاريخ البشرى. أما اليوم، فلا حاجة لتلك السلاسل، لأن الخوارزميات هى السلاسل الحديثة. فكل بشر الكوكب اليوم أرقام، والأرقام بيانات، والبيانات خوارزميات. نعيد إنتاج الدورة الاستهلاكية نفسها فى كل دقيقة من حياتنا، إذ أصبحنا عبيد أنفسنا فى عالم متوحش يتربص به أباطرة المال. وهذا بحد ذاته ما أسميه «ديكتاتورية الخوارزميات» بدلًا من «ديكتاتورية البروليتاريا» الشائعة فى المعجم الماركسى.
النص الأصلى:
مقالات اليوم محمد المنشاوي نقاش مع جارى الأكاديمى حول ديمقراطية أمريكا محمد بصل المتلاعبون بأعصاب المستأجرين والمُلّاك إبراهيم العريس ولكن ماذا عن الإبداعات التى لم يتمكن أصحابها من إنجازها؟ (1 من 2) خالد محمود جيهان زكى .. والملفات المؤجلة نبيل الهادي إنقاذ ما تبقى من البحيرة
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك