هل يمكن للحكومة أن تقنع المواطنين أو غالبيتهم بصحة قرارها برفع أسعار الوقود التى أعلنتها فجر يوم الثلاثاء الماضى؟! الموضوع صعب جدا، لكنه ليس مستحيلا. أى مواطن طبيعى لن يتفهم بسهولة مسألة ارتفاع سعر أى سلعة خصوصا لو كانت الوقود الذى يؤثر فى أسعار عدد كبير من السلع خصوصا المرتبطة بالنقل والمواصلات والتى تقود بدورها إلى ارتفاع سلع أخرى، حتى لو لم تكن هناك علاقة بينها.الحكومة من جهتها تقول إنها مضطرة إلى رفع أسعار الوقود لظروف قهرية خارجة عن إرادتها بسبب اشتعال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتى أدت إلى شلل شبه كامل فى نقل البترول من الخليج إلى العالم عبر مضيق هرمز والنتيجة أن الأسعار قفزت من متوسط ٦٥ دولارا للبرميل إلى ١٢٠ دولارا قبل أن تهبط مرة أخرى إلى أقل من ٩٠ دولارا، مع ارتفاع أسعار عقود الغاز الطبيعى بنسبة وصلت إلى ٥٠٪. والمعروف أن مصر تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من البترول، وصارت تستورد الغاز بكميات كبيرة. وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه من متوسط ٤٧ جنيها إلى أكثر من ٥٣ جنيها ثم عاد للتراجع إلى أقل من ٥٢ جنيها.والمعروف أن لجنة التسعير التلقائى للوقود تحسب السعر بناء على عاملين أساسيين: الأول سعر خام برنت العالمى، والثانى سعر الدولار أمام الجنيه.نعود إلى السؤال الذى بدأت به وأكرره: هل يمكن للحكومة أن تكسب ثقة غالبية المواطنين فى موضوع الوقود، خصوصا أن عددا كبيرا من المصريين يقول إنه لم يعد قادرا على مواجهة صعوبات تكاليف الحياة بسبب ارتفاع الأسعار مع تدنى حجم وقيمة الدخول؟فى اعتقادى أن المدخل الأساسى لاقتناع عدد كبير من المواطنين بقرارات الحكومة الصعبة يتمثل فى أن تشرح له أولا حقيقة الأوضاع الاقتصادية، خاصة ملف الطاقة بلغة يفهمها وتصل إليه بسهولة وليس بمصطلحات متخصصة. على الحكومة أن تقول للمواطن الحقيقة، وحجم ما تتحمله من دعم حقيقى يمكن حسابه بسهولة. أقول ذلك، لأننى من خلال نقاشات كثيرة مع زملاء وأصدقاء اكتشفت أن بعضهم ما يزال يعتقد أن الحكومة لم تعد تتحمل أى دعم للمواد البترولية، بل إن بعضهم يعتقد أنها تكسب من جيب المواطن، وهو الأمر غير الصحيح على الإطلاق.أما العامل الأساسى فهو أن تتقشف الحكومة بصورة جوهرية وملموسة ومقنعة، قبل أن تطالب المواطن بالتقشف وتحمله معظم فاتورة رفع الأسعار.ما أقصده بالتقشف ليس فقط ما أعلنته الحكومة يوم الثلاثاء الماضى بعد أن رفعت الأسعار، ولكن أن يلمس كل مواطن تقشف الحكومة ويراه رأى العين المباشر.هذا التقشف الحقيقى يعنى أن تتخلص الحكومة من كل مظاهر البذخ والإنفاق غير الضرورى نهاية بتأجيل كل ما هو غير ضرورى من مشروعات إلى أن تنتهى الحرب وتعود الأمور إلى سابق عهدها قبل بداية الحرب.التقشف يعنى ألا نكتفى فقط برفع الشعار، لكن أن تكون هناك إرادة حقيقية قادرة على تنفيذه بمعنى ألا نجد عمود إنارة منارًا نهارا، فى حين أن بعض الشوارع المهمة مظلمة ليلا، وألا تكون هناك مواكب سيارات للمسئولين، ناهيك عن التوقف عن شراء سيارات أو أثاث جديد لأى مسئول، وأن تكون هناك رقابة حازمة على كل المشروعات للتأكد من إنفاق كل قرش فى مكانه الصحيح، وأن يتم مراقبة ومحاسبة ومحاكمة أى مسئول فاسد ويتم إنزال أشد العقاب به حتى يكون عبرة لغيره.أعرف أن الحكومة أعلنت بالفعل أكثر من مرة فى الأيام الأخيرة حزمة إجراءات للتقشف خلال اجتماع لجنة الأزمات المركزية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى وأنها ناقشت السيناريوهات المختلفة للتعامل مع أزمة الحرب وتداعياتها. ومن بين الإجراءات التى أعلنتها الحكومة للتقشف الغاء الاحتفالات الحكومية وخفض السفريات الرسمية وتقليص الدورات التدريبية وحوكمة منظومة إنارة الطرق وإضاءة اللوحات الإعلانية ومراجعة استهلاك الوقود فى مختلف القطاعات وتسريع تشغيل وسائل النقل الجماعى واستخدام المركبات الكهربائية وخفض حجم الواردات من السلع تامة الصنع غير الأساسية، إضافة إلى البحث فى حزمة من المساعدات الاجتماعية خصوصا زيادة مرتبات العاملين.مرة أخرى هذه إجراءات جيدة، لكن هل سيتم تطبيقها فعلا، ومن الذى سيتابع تطبيقها، والأهم كيف يصل ذلك إلى المواطن العادى ويلمسه بنفسه، وليس فقط يسمعه أو يقرأه؟!هناك أزمة ثقة بين المواطن والحكومة، والأخيرة عليها بذل كل الجهد لاستعادة هذه الثقة.
مقالات اليوم جميل مطر حكايات على هامش رحلاتى أشرف البربرى الحكومة والشعب والحل السهل محمود محي الدين النتائج الاقتصادية لحرب بلا استراتيجية وليد محمود عبد الناصر الحرب على إيران واستخدام القوة طبقًا لميثاق الأمم المتحدة علي محمد فخرو لا.. للدخول فى المصيدة الاستعمارية - الصهيونية إيريني سعيد معادلة الاتزان الإقليمى.. إيران طرف مزدوج من الصحافة الإسرائيلية المعركة فى إيران.. الوقت قد يعمل ضد إسرائيل
قد يعجبك أيضا