السؤال الكبير فى المواجهة مع إيران ليس فقط «كم عدد الصواريخ أو القواعد أو المقرات التى تم تدميرها؟»، بل أيضًا «ما الذى سيُعتبر نصرًا؟»، و«مَن الذى سيقوم بتعريفه؟». بالنسبة إلى إسرائيل، النصر يعنى تغييرًا استراتيجيًا عميقًا: منع إيران من الوصول إلى السلاح النووى، وإزالة تهديد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وإنشاء واقع إقليمى أفضل مما كان عليه قبل الحرب. أمَّا بالنسبة إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فقد يكون النصر شيئًا مختلفًا: نتيجة تبدو كبيرة، وتظهر تاريخية فى الخطاب السياسى، ويمكن بيعها جيدًا إلى الجمهور الأمريكى، حتى لو كانت فى الواقع جزئية أكثر بكثير. إسرائيل تسعى لتغيير جذرى فى إيران، بينما قد تكتفى واشنطن بإيران أضعف، ومردوعة، ويمكن احتواؤها. ويقدم البيت الأبيض صورة شبه مشرقة: أمريكا قوية، وإيران تتلقى الضربات، وسياسة «السلام عن طريق القوة» تثبت نجاحها. لكن الواقع، على الأقل حتى الآن، أقل راحة؛ فالمواجهة دخلت أسبوعها الثانى، وترامب يواصل المطالبة بـ«استسلام غير مشروط»، وواشنطن تهدد بموجات إضافية من الضربات، بينما إيران ــ التى عيّنت ابن المرشد الأعلى خليفة جديدًا ــ لم تنهَر بعد.فى هذا السياق، يبرز أيضًا بُعد أكثر طموحًا بكثير؛ فترامب لا يفكر فقط فى إضعاف إيران، بل أيضًا فى تشكيل السلطة التى قد تأتى بعدها، بطريقة تشبه، إلى حد ما، ما حاولت الولايات المتحدة فعله فى فنزويلا (محاولة إيجاد قيادة بديلة أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية)، فهذا الطموح ينسجم مع الغريزة السياسية لترامب. لكن الواقع الإيرانى ليس كواقع فنزويلا، ومن المرجح أن يكون النظام الإيرانى أكثر صلابة مما قد يكون مريحًا افتراضه فى البيت الأبيض. وبحسب تقييم استخباراتى أمريكى سرى تم الكشف عنه، فحتى حملة عسكرية واسعة قد لا تؤدى بالضرورة إلى إسقاط النظام فى طهران، لأن لدى إيران آليات استمرارية سياسية ودينية وأمنية راسخة. البعد العالمى للحرب هذه المواجهة لا تُقيم فى واشنطن فقط فى إطار الصراع مع إيران، فمن وجهة نظر الإدارة الأمريكية، فإن لها أيضًا بُعْدًا عالميًا: المواجهة مع إيران تُرى كجزء من صراع أوسع على كل من السيطرة على طرق الطاقة، والحفاظ على الردع، وتعزيز النفوذ الأمريكى فى مواجهة الصين. هنا يبرز المتغير الأكثر خطورة بالنسبة إلى البيت الأبيض؛ أسعار النفط، إذ إنها مستمرة فى الارتفاع، وسعر النفط الخام يصعد إلى مستويات لم يشهدها منذ سنة 2022. لقد عطلت الحرب فعلًا تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، وأثرت فى قدرة الإنتاج لدى دول المنطقة، بينما يستمر الضغط فى الأسواق. وفى الوقت نفسه، يحاول البيت الأبيض كبح ارتفاع الأسعار خوفًا من تداعيات سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة. كما أن التقارير التى تُظْهِرُ استياء الأمريكيين من الضربات الإسرائيلية لمنشآت الوقود والنفط فى طهران تُظْهِرُ أيضًا مدى حساسية الإدارة الأمريكية إزاء صدمة أُخرى فى سوق الطاقة. وكلما استمرت الحملة العسكرية من دون أن تلوح صورة واضحة فى الأفق لنهايتها، ازداد هذا الثمن وتحول إلى مشكلة سياسية داخلية: ضغط تضخمى أكبر، واستياء أكبر لدى المستهلكين، وانتقادات لحرب تبدو بلا نهاية واضحة.الأسبوع المقبل قد يكون حاسمًاومن هنا تأتى الأهمية الكبيرة للأسبوع القادم؛ إذ سيكون نافذة حسم ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا سياسيًا وإعلاميًا؛ فإذا تمكن ترامب من عرض إنجاز واضح ــ كضربة دراماتيكية إضافية، أو إشارة إلى تراجع إيرانى، أو بداية مسار لإنهاء الحرب ــ فسوف يعزز رواية النصر، أمَّا إذا لم يحدث ذلك، فسيبدأ الوقت يعمل ضده.. وضد إسرائيل أيضًا. وتشير استطلاعات الرأى إلى أن 56% من الأمريكيين يعارضون عملًا عسكريًا أمريكيًا ضد إيران، وهذا يعنى أن حربًا طويلة ومكلفة بلا هدف واضح قد تؤدى إلى تآكل أكبر فى الدعم الشعبى داخل الولايات المتحدة، خصوصًا خارج المعسكر الجمهورى. لذلك، فإن النقاش الحقيقى بشأن اليوم التالى للحرب لا يتعلق فقط بموعد التوقف، بل أيضًا بما سيُعَدُّ نجاحًا قبل أن يبدأ الوقت نفسه بالعمل ضدنا. ترامب يريد نصرًا كبيرًا، وربما تاريخيًا. لكن إذا استمرت الحرب، ولم تنكسر إيران، وبدأت أسعار الطاقة والرأى العام الأمريكى بالضغط، فقد تكتشف إسرائيل أن أخطر جبهة فى هذه المواجهة ليست فى طهران فقط، بل أيضًا فى واشنطن.
مقالات اليوم جميل مطر حكايات على هامش رحلاتى عماد الدين حسين أسعار الوقود.. أين المشكلة؟! أشرف البربرى الحكومة والشعب والحل السهل محمود محي الدين النتائج الاقتصادية لحرب بلا استراتيجية وليد محمود عبد الناصر الحرب على إيران واستخدام القوة طبقًا لميثاق الأمم المتحدة علي محمد فخرو لا.. للدخول فى المصيدة الاستعمارية - الصهيونية إيريني سعيد معادلة الاتزان الإقليمى.. إيران طرف مزدوج
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك