x قد يعجبك أيضا

الحرب على إيران واستخدام القوة طبقًا لميثاق الأمم المتحدة

الأربعاء 11 مارس 2026 - 6:55 م


كل من تابع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتى بدأت يوم السبت 28 فبراير من عام 2026 ميلاديًا الموافق العاشر من رمضان من عام 1447 هجريًا، منذ يومها الأول، خاصة كل من استمع إلى الخطاب الذى ألقاه السيد أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، فى افتتاح الجلسة التى عقدها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فى مساء اليوم الأول للحرب لمناقشة ما تمثله الحرب من تهديد للسلم والأمن الدوليين، وذلك طبقًا لاختصاص المجلس وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، استمع إلى ما ذكره الأمين العام فى الجزء الأول من خطابه الذى أطلق عليه عنوان «المبادئ» وكرس له ثلث خطابه، وعلم ما تمثله هذه الحرب من خروقات واضحة وانتهاكات صريحة لما اعتبره الأمين العام أسس الشرعية الدولية، والتى فسرها أساسًا فى ضوء معطيات القانون الدولى ومبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومعطيات القانون الدولى الإنسانى وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة.
فقد حظرت الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة أو التهديد باستخدامها من حيث المبدأ، حيث أكدت امتناع الدول الأعضاء فى المنظمة الدولية فى علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها فعليًا ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسى لأى دولة أخرى، أو بأى شكل لا يتسق مع مقاصد الأمم المتحدة.
أما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فهى بالمقابل أوضحت أنه لا يوجد أى نص أو حكم فى الميثاق يحول دون الحق الطبيعى لأى دولة عضو فى الأمم المتحدة فى ممارسة حقها الطبيعى فى الدفاع عن النفس، سواء كان ذلك بشكل فردى أو جماعى، وذلك فى حالة ما إذا تعرضت هذه الدولة لهجوم عسكرى، وذلك حتى يتخذ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الإجراءات الضرورية اللازمة للقيام بمسئولياته المعنية بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وألزمت هذه المادة الدولة التى تعرضت للاعتداء وقامت بالدفاع عن نفسها أن ترفع بشكل فورى تقريرًا لمجلس الأمن حول ما اتخذته من إجراءات، على أن تلتزم بأن ما قامت به لن يؤثر بأى حال من الأحوال على سلطة ومسئولية مجلس الأمن، حسبما نص عليه الميثاق، فى اتخاذ ما يقرره من إجراءات فى أى توقيت وبالقدر الذى يراه المجلس ضروريًا إما للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو لاستعادة هذا السلم والأمن الدوليين.
ومن الواضح أن المادة (51)، وهى المادة الوحيدة فى ميثاق الأمم المتحدة التى تجيز وتمنح الرخصة للدول لاستخدام القوة، سواء بشكل فردى أو جماعى، لا تسرى على حالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية ضد إيران، ومن الصعب لأى من الدولتين اللجوء إليها لتبرير شن الحرب على إيران، حيث أن تلك المادة تشترط لأن يكون شن الحرب دفاعًا عن النفس أن تكون الدولة التى تشن الحرب قد تعرضت بالفعل لهجوم مسلح، وليس أن تكون تفترض أو تتوقع حدوث هجوم عسكرى عليها، أو لمجرد أن يكون هذا الهجوم محتملًا، ويبقى هذا الرأى صائبًا حتى مع توسع بعض فقهاء القانون الدولى فى تفسير المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، بحيث رأى هؤلاء أنها تشمل أيضًا حالة «التهديد الوشيك» بحدوث عدوان مسلح على الدولة مما قد يجيز لها حق شن الحرب على الدولة مصدر مثل هذا التهديد.
إلا أن لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية رؤية مغايرة لما تقدم، وذلك بالطبع فى سياق سعيهما لصبغ الشرعية الدولية على قرارهما المشترك بشن الحرب على إيران ومحاولتهما للحصول على قدر من الإقرار والاعتراف، أو على الأقل التفهم، من جانب المجتمع الدولى يضفى ولو قدرًا من المشروعية على حربهما على إيران.
فمن جانبها، إسرائيل تدفع منذ اللحظة الأولى لشن الحرب على إيران، وبالرغم من إقرارها أن التحضير لشن الحرب تم بشكل مشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية تم منذ شهور سبقت وأن تحديد موعد شن الحرب تم الاتفاق عليه بين الطرفين منذ أسابيع، بأنها شنت الحرب فى إطار الدفاع عن النفس باعتبار أن القدرات العسكرية الإيرانية فى ظل النظام السياسى القائم فى إيران منذ عام 1979، تمثل تهديدًا لوجود إسرائيل وشعبها باعتبار أن إيران تسعى للقضاء على دولة إسرائيل كلية، ودائمًا بحسب كبار المسئولين الإسرائيليين. وحرص القادة الإسرائيليون على تسمية الحرب بأنها «حرب استباقية» كان غرضها إجهاض ضربة أو ضربات عسكرية إيرانية كانت طهران تعد العدة لشنها ضد إسرائيل بشكل وشيك.
إلا أن هذا الدفع الإسرائيلى لا يقوى على مواجهة الواقع كثيرًا، فأولًا لم يقدم الجانب الإسرائيلى دليلًا على وجود تهديد بشن حرب وشيكة من جانب إيران ضدها، كذلك فإن الجانب الإسرائيلى نفسه كان قد ذكر بعد انتهاء حرب الـ12 يومًا التى شنتها إسرائيل ضد إيران فى يونيو 2025 أن تلك الحرب أدت، بما فى ذلك مشاركة الجانب الأمريكى فى يومها قبل الأخير، إلى إلحاق الدمار ليس فقط بما أسمته واشنطن وتل لأبيب آنذاك القدرات النووية الإيرانية، بل أيضًا بقطاع عريض من القدرات العسكرية الإيرانية، سواء الباليستية أو غيرها. كذلك فإن قيام إسرائيل بتفسير المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة وكأنها تبنى تفسيرها على توقعات تتنبأ بنوايا إيران تجاهها فى المستقبل، لا يتسق لا مع نص المادة المذكورة ولا مع التفسير السائد والقراءة المباشرة لتلك المادة، كما أنه لا يتفق حتى مع محاولة بعض فقهاء القانون الدولى للتوسيع من مدى هذا التفسير ليشمل مفهوم التهديد الوشيك بالتعرض لشن حرب وليس مجرد شن الحرب من الناحية الفعلية.
وإذا انتقلنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فهى الأخرى، على لسان قادتها السياسيين والعسكريين، أعلنت أن شنها الحرب كان بغرض الدفاع عن الشعب الأمريكى من التهديد الإيرانى، أى كان أيضًا بمثابة ضربة عسكرية استباقية، وقد تراوح شرح الإدارة الأمريكية للتهديد الذى تشير إليه، سواء بهدف إقناع الشعب الأمريكى ذاته بهذه المقولة أو لجذب تفهم وصمت، إن لم يكن قبول أو دعم، المجتمع الدولى، بين القول بأن إيران تمتلك صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية وضربها وتدمير أهداف بها، وبين تذكير المواطنين الأمريكيين والعالم الخارجى بأعمال تتهم واشنطن إيران بالمسئولية عنها أودت بحياة مواطنين أمريكيين أو سببت دمارًا لمنشآت أمريكية عبر العالم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر منذ انتصار الثورة الإيرانية فى فبراير 1979 وما أعقبها من قطيعة بين البلدين. ثم عاد الرئيس الأمريكى ليعلن يوم 9 مارس الجارى أن إيران كانت ستهاجم إسرائيل والقواعد الأمريكية فى الشرق الأوسط بعد أسبوع فقط إذا لم تقم واشنطن وتل أبيب بشن الحرب فى 28 فبراير 2026.
أما الدفع الخاص بأن الحرب كانت استباقية، فجاء الرد عليه من داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، عندما حدث تسرب أو تسريب من مصادر استخباراتية أمريكية إلى بعض وسائل الإعلام الأمريكية بأن تقديرات الأجهزة الأمنية والعسكرية الأمريكية قبل شن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مباشرة أشارت إلى أن إيران كانت ستنتهى بحلول عام 2035 من تطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وبالرغم من أن هذه المعلومات المسربة أو المتسربة وجدت من يفندها داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، فإنه حتى مع الإقرار بصحتها، فإن هذا لا يعطى الحق لواشنطن فى شن حرب فى فبراير 2026 للحيلولة دون ما كان ربما سيحدث فى عام 2035، حيث تنتفى هنا ذريعة تعرض الولايات المتحدة الأمريكية لهجوم عسكرى من إيران أو حتى مبرر أن هناك تهديدًا وشيكًا بحدوث مثل هذا الهجوم. أما التبرير الخاص باعتداءات سابقة من إيران ضد أهداف أمريكية أو أشخاص أمريكيين فهو لا يصمد أيضًا فى مثل هذا المجال لأن أيًا من الحالات والأمثلة التى ذكرتها الإدارة الأمريكية لم يكن ليعتبر هجومًا عسكريًا إيرانيًا على الولايات المتحدة الأمريكية بالمعنى المتعارف عليه، كما أن الحالات والأمثلة المذكورة من الجانب الأمريكى حدثت فى السابق ولا تسرى عليها المعايير المذكورة فى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.
والواقع أنه من المهم العودة إلى سندين من أسانيد الشرعية الدولية لتعزيز الوجهة التى ذهبنا إليها فى هذا المقال.
أما المثال الأول فهو ما ذكرته محكمة العدل الدولية، وهى أحد الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة، عند نظرها حالة الولايات المتحدة الأمريكية ضد نيكاراجوا فى عام 1986، حيث ذكرت المحكمة آنذاك أنه يجب وجود عدوان عسكرى فعلى لإضفاء الشرعية الدولية على حرب تمثل دفاعًا عن النفس، وليس مجرد وجود تهديد مستقبلى مفترض فى ذهن قادة الدولة التى تشن الحرب تحت مبرر الدفاع عن النفس.
أما الأمر الثانى فهو أنه لم يصدر أى قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، طبقًا للمادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة، أو من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، طبقًا لقرار «الاتحاد من أجل السلم» الشهير، يخول أيًا من الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل أو كليهما باستخدام القوة ضد إيران، ولا أى قرار حتى يسمح باستخدام القوة أو يباركها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة