يشكل اليمن اليوم إحدى أكثر بؤر عدم الاستقرار تأثيرًا فى معادلات الأمن الإقليمى، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافى أو تعقيد أزمته الداخلية، بل أيضًا، بسبب امتداد تداعيات هذه الأزمة إلى أحد أهم الممرات الملاحية فى العالم، أى البحر الأحمر وباب المندب، وما يتصل بهما من طرق تجارة عالمية حيوية وفى مقدمتها قناة السويس. فالأوضاع غير المستقرة فى اليمن لم تعد شأنًا داخليًا يمنيًا أو أزمة إنسانية وسياسية محصورة داخل الحدود، بل باتت عاملًا مهددًا للأمن البحرى الإقليمى والدولى، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمى وعلى أمن دول الإقليم، خاصة الدول المطلة على البحر الأحمر.
يحتل اليمن موقعًا استراتيجيًا فريدًا عند مدخل البحر الأحمر الجنوبى، حيث يمر عبر مضيق باب المندب جزء معتبر من تجارة العالم، ونسبة كبيرة من صادرات الطاقة القادمة من الخليج إلى أوروبا. ومن ثم فإن أى خلل أمنى فى اليمن، سواء عبر سيطرة قوى مسلحة غير دولية على أجزاء من الساحل، أو عبر استخدام الصراع الداخلى كورقة فى صراعات إقليمية أوسع، ينعكس مباشرة على أمن الملاحة.
خلال السنوات الماضية، تحولت السواحل اليمنية إلى مسرح لتهديدات متعددة، من هجمات على السفن التجارية إلى زرع ألغام بحرية، مرورًا باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف ممرات الشحن. هذه التهديدات لم تكن معزولة عن تعقيدات المشهد اليمنى الداخلى، بل جاءت نتيجة مباشرة لانهيار الدولة، وتفتت السلطة، وتداخل الأبعاد المحلية والإقليمية للصراع.
إن استمرار الحرب فى اليمن، وغياب تسوية سياسية شاملة، يفتح الباب أمام فاعلين مسلحين يسعون إلى توظيف الموقع الجغرافى للبلاد فى صراعات أوسع، سواء بدافع محلى أو ضمن حسابات إقليمية. وهنا يتقاطع اليمنى بالبحرى، والداخلى بالدولى، بحيث يصبح أمن البحر الأحمر رهينة لمسار الصراع اليمنى نفسه. فكلما طال أمد الحرب، وكلما غابت الدولة المركزية القادرة على بسط سيادتها على الأراضى والسواحل، ازدادت مخاطر تهديد الملاحة، ليس فقط عبر أعمال عسكرية مباشرة، بل أيضًا عبر تحويل البحر الأحمر إلى ساحة رسائل سياسية وأمنية متبادلة بين قوى إقليمية.
• • •
فى هذا السياق، تتحمل الأطراف الإقليمية الفاعلة فى اليمن، وعلى رأسها السعودية والإمارات، مسئولية خاصة فى الدفع نحو مسار مختلف لإدارة الأزمة. فقد أظهرت سنوات الصراع أن المقاربة العسكرية وحدها غير كافية لتحقيق الاستقرار، بل أسهمت فى تعميق الانقسامات داخل المجتمع والسياسة اليمنيين. ولا يمكن استعادة الاستقرار فى اليمن دون حوار سياسى شامل يضم كل المكونات اليمنية، شمالًا وجنوبًا، قوى تقليدية وجديدة، سياسية وقبلية ومجتمعية، على قاعدة الاعتراف بالتنوع اليمنى والبحث عن صيغ واقعية لتقاسم السلطة وإدارة الدولة.
يتعين على السعودية والإمارات، بحكم ثقلهما السياسى والأمنى وتأثيرهما المباشر فى المشهد اليمنى، أن تنتقلا من منطق إدارة الصراع إلى منطق رعاية التسوية. وهذا يقتضى دعم عملية حوار يمنى-يمنى لا تُختزل فى تفاهمات نخبوية ضيقة، بل تمتد لتشمل القوى الاجتماعية والسياسية التى أفرزتها سنوات الحرب. كما يقتضى هذا الدور الإقليمى الإسهام فى تهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بعودة الدولة اليمنية بمؤسساتها، وليس فقط بواجهاتها، وبما يضمن وحدة القرار الأمنى والعسكرى، خاصة فيما يتعلق بحماية السواحل والموانئ.
ولا ينفصل الحوار اليمنى المنشود عن ضرورة معالجة المظالم المتراكمة، سواء فى الجنوب أو الشمال، ومعالجة القضايا الاقتصادية والإنسانية التى غذّت الصراع. فاليمنيون لن ينخرطوا فى تسوية سياسية مستدامة إذا شعروا بأنها إعادة إنتاج لاختلالات سابقة. ومن هنا فإن أى دور سعودى -إماراتى فاعل يجب أن يوازن بين المصالح الأمنية المشروعة لهاتين الدولتين وبين متطلبات بناء سلام يمنى حقيقى، يحد من فرص توظيف اليمن كساحة تهديد للأمن الإقليمى والبحرى.
• • •
فى موازاة ذلك، تبرز مصر كدولة مركزية فى معادلة أمن البحر الأحمر، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافى وسيطرتها على قناة السويس، بل أيضًا بحكم خبرتها التاريخية فى إدارة قضايا الأمن البحرى، وحرصها الدائم على ربط أمنها القومى بأمن محيطها الإقليمى. فاستقرار البحر الأحمر يمثل بالنسبة لمصر مسألة وجودية، إذ تعتمد قناة السويس على حرية وأمن الملاحة فى هذا الممر الممتد من باب المندب إلى شمال البحر الأحمر. وأى اضطراب طويل الأمد فى الجنوب ينعكس مباشرة على عوائد القناة وعلى موقع مصر فى التجارة العالمية.
يمكن لمصر أن تسهم فى تحقيق الأمن فى البحر الأحمر من خلال مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الدبلوماسية والأمن والتعاون الإقليمى. فعلى الصعيد الدبلوماسى، تمتلك القاهرة القدرة على الدفع نحو تنسيق أوسع بين الدول المطلة على البحر الأحمر، بما فى ذلك دول الخليج والقرن الإفريقى، لإرساء إطار تشاورى دائم يهدف إلى إدارة التهديدات المشتركة بعيدًا عن الاستقطابات الحادة. كما يمكن لمصر أن تلعب دورًا داعمًا لمسار التسوية فى اليمن، انطلاقًا من قناعتها بأن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن استقرار الدول المطلة عليه.
أما على الصعيد الأمنى فإن لمصر خبرات بحرية متقدمة تؤهلها للمساهمة فى حماية طرق الملاحة، سواء عبر المشاركة فى ترتيبات أمنية إقليمية أو عبر تعزيز التعاون مع القوى الدولية المعنية بأمن البحر الأحمر، مع الحرص على ألا يتحول هذا التعاون إلى انتقاص من سيادة الدول الإقليمية. ويظل التحدى هنا هو تحقيق توازن دقيق بين الانخراط الأمنى الضرورى وبين تجنب عسكرة البحر الأحمر على نحو دائم.
فى التحليل الأخير، يكشف المشهد الراهن عن أن استعادة الأمن فى البحر الأحمر تمر حتمًا عبر بوابة اليمن. فلا يمكن تحييد هذا الممر الحيوى عن تداعيات الصراع اليمنى ما لم يُعد بناء الحد الأدنى من الاستقرار السياسى والمؤسسى فى البلاد. ويقع على عاتق السعودية والإمارات دور محورى فى رعاية حوار يمنى شامل يضع حدًا للحرب، وعلى عاتق مصر دور مركزى فى الدفع نحو مقاربة إقليمية متوازنة تحمى الملاحة الدولية وتربط بين الأمن البحرى والسلام الإقليمى. وبين هذين الدورين، تظل الفرصة قائمة، وإن كانت محفوفة بالتحديات، لإعادة البحر الأحمر من ساحة توتر وصراع إلى فضاء استقرار وتعاون يخدم مصالح شعوب المنطقة والعالم.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى