فى المجتمعات التقليدية، كانت المعرفة تنتقل من جيل إلى جيل عبر العيش والممارسة والرواية الشفوية. لم تكن الحاجة إلى التدوين ملحة، لأن الحياة نفسها كانت هى الأرشيف. كان الطفل يتعلم من مراقبة أبيه فى أعمال الزراعة، ومن الاستماع إلى قصص أمه وجدته، ومن مشاركة مجتمعه بطقوسه اليومية. هذه المعارف لم تكن أقل تعقيدا من المعرفة الأكاديمية، لكنها كانت مختلفة فى طبيعتها، مرتبطة بالسياق والبيئة والضرورة.ومع رحيل الجيل الحامل لهذه الذاكرة، نخسر نحن تقنيات زراعية محلية صمدت فى ظروف قاسية، كما نخسر فهما دقيقا لدورات الطبيعة، وأكثر من هذا أساليب للتواصل المعرفى مع الشح والوفرة، ومع المرض والصحة، ومع الجماعة والفرد. نخسر أيضا أشكالا من الحكمة الاجتماعية التى نظمت العلاقات من دون قوانين مكتوبة، وضبطت النزاعات من دون محاكم.هذا النوع من المعرفة لا يمكن استعادته لاحقا من الكتب، لأنه ببساطة لم يكتب. وإذا لم ينقذ فى اللحظات الأخيرة هذه، فإنه سيختفى إلى الأبد.اللغة بوصفها نظام معرفةعندما نتحدث عن انقراض اللهجات أو اللغات المحلية، كثيرا ما يختزل الأمر فى كونه فقدانا لوسيلة تعبير، أو شكلا من أشكال التنوع الثقافى. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. اللغة ليست مجرد أصوات، بل هى طريقة تفكير، ونظام تصنيف للعالم، وأداة لفهم العلاقات بين الأشياء.ثمة لهجات كثيرة منتشرة فى الأرياف والبوادى العربية تقدم ثراء لغويا مذهلا فى توصيف عناصر البيئة المحيطة. وهناك كلمات دقيقة تصف مراحل نمو النبات، وحالات التربة، وأنواع الرياح، ودرجات الحرارة، وتغيرات السماء. هذا الثراء لم ينشأ من فراغ، بل من حاجة وجودية لمبدأ البقاء؛ فالإنسان الذى لا يميز بين هذه الفروق، هو ولا شك معرض للفشل وحتى الهلاك. وحين تختفى هذه اللهجات، لا نخسر مفردات فحسب، بل نخسر تحليلا شديد الدقة للبيئة؛ وقد يكون اليوم تحديدا أكثر أهمية من أى وقت مضى، فى ظل الأزمات المناخية الشرسة وشح الموارد. كما نخسر أيضا قدرة الإنسان على قراءة الطبيعة بلغة ولدت منها، لا بلغة مستوردة ومجردة.صيدلية الأرضفى القرى الجبلية والصحراوية، لا تزال تعيش معرفة طبية هائلة خارج نطاق المؤسسات الصحية الحديثة. هذه المعرفة ليست قائمة على الوهم، بل هى صادرة عن تجارب طويلة، وعن ملاحظات دقيقة لتأثير النباتات والعلاجات الطبيعية على الجسد الإنسانى؛ إذ تعرف نساء كثيرات فى المجتمعات التقليدية أعشابا تعالج الالتهابات، وأخرى تخفف من آلام المفاصل، وثالثة تستخدم فى حالات الحمى أو مشكلات الجهاز الهضمى. كما يعرف الرعاة نباتات تنقذ الماشية من التسمم، ويعرف الفلاحون كذلك طرقا طبيعية لمواجهة الآفات الزراعية من دون مبيدات.كما أن كثيرا من الصناعات الدوائية الحديثة، اعتمدت فى بداياتها على هذا النوع من المعارف أو التجارب الشعبية. لكن الجزء الأكبر منها لم يدرس بعد، ولم يوثق، ومع كل جيل يرحل، تضيق الفرصة أكثر لاكتشافه. نحن لا نخسر وصفات تقليدية فحسب، بل نخسر إمكانيات علاجية واقتصادية قد تكون حاسمة لمستقبل الصحة.التاريخ الذى لا يكتبه الأقوياءالتاريخ الرسمى، كما يدرس ويكتب. إذ يركز على الدول، والمعارك، والحكام، ويتجاهل حياة الناس العاديين. لكنه ليس التاريخ الوحيد، ولا الأكثر صدقا بالضرورة. هناك تاريخ آخر يعيش فى الذاكرة الشفوية، فى الحكايات التى تروى فى المجالس، وفى الأغانى، وفى الأساطير المحلية.هذا التاريخ يحمل روايات عن المجاعات، وعن الهجرات القسرية، وعن التعايش بين الأديان والثقافات، وعن النزاعات الصغيرة التى لم تدخل كتب التاريخ، لكنها شكلت وجدان المجتمعات. وفقدان هذا التاريخ يعنى حتما فقدان القدرة على فهم أنفسنا خارج الرواية الرسمية، وفقدان صوت الفئات التى لم تمتلك أدوات الكتابة والسلطة.لماذا يتسارع الانقراض المعرفىهناك قوى متعددة تدفع نحو هذا الفقد المتسارع، والعولمة الثقافية فرضت أنموذجا لغويا وثقافيا واحدا، وقدمت اللهجات المحلية بوصفها رمزا للتخلف. والتعليم الرسمى، على الرغم من أهميته، أسهم أحيانا فى نزع الشرعية عن المعارف المحلية، عبر تجاهلها الكامل. كما أن التحول الاقتصادى والتحضر يسحبان الوظيفة العملية من كثير من المعارف التقليدية؛ ومع فقدان الوظيفة، تموت المعرفة. والهجرة من الريف إلى المدينة قطعت السلسلة بين البيئة والمعرفة، وما كان ضرورة أصبح عبئا، وما كان مصدر فخر أصبح مدعاة للخجل.من الحفظ إلى الإحياءإنقاذ المعرفة المهددة لا يكون بتخزينها فى أرشيفات مغلقة، بل بإعادتها إلى الحياة. التوثيق الرقمى خطوة أساسية، تسجيل الأصوات، والحكايات، والأغانى، واللهجات، قبل أن تختفى. استخدام التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعى، لتحليل هذه المواد وبنائها فى قواعد بيانات مفتوحة.لكن الأهم هو دمج هذه المعرفة فى الحاضر: فى التعليم، فى الفنون، فى الإعلام، وفى الاقتصاد المحلى. عندما تصبح اللغة المحلية أداة تعبير معاصرة، لا مجرد ذكرى، وعندما تتحول المعرفة التقليدية إلى مورد حى، يمكن لها أن تستمر.فى اختصار، على الحكومات والمؤسسات الرسمية أن تتحول من دور المتفرج إلى دور الشريك الفاعل عبر:أولا. إدماج محدود فى التعليم: لا يعنى ذلك التخلى عن الفصحى، بل إدخال مقررات اختيارية أو أنشطة لا منهجية فى المناطق التى تتوافر فيها هذه اللغات، تتعرف خلالها الأجيال الجديدة على تراثها اللغوى بوصفه جزءا من هويتها المركبة.ثانيا. حوافز اقتصادية: دعم المشروعات السياحية والثقافية والاقتصادية التى تستخدم هذه اللغات والمعارف كرأسمال ثقافى فريد، مثل السياحة البيئية التى يقودها مرشدون محليون، أو تسويق المنتجات التقليدية مع قصصها بلغتها الأصلية.هكذا فإن حماية الذاكرة المعرفية العربية ليست مسألة حنين ولا ترفا ثقافيا، بل هى مسألة بقاء ورسوخ وهوية. فأمة تفقد ذاكرتها يعنى فى المحصلة أنها تفقد قدرتها على الفهم والتجدد والمقاومة. التنوع المعرفى الذى نملكه ليس عبئا، بل ثروة استراتيجية فى عالم يزداد اضطرابا. كل معرفة ننقذها اليوم هى استثمار فى مستقبل أكثر توازنا ووعيا، مستقبل لا يقطع مع جذوره، بل يبنى عليها بوعى ومسئولية.
مقالات اليوم عماد الدين حسين متى تنتهى الحرب؟ خالد سيد أحمد نتنياهو.. ولحظة القلق الخليجية! ليلى إبراهيم شلبي رغبة مشروعة ناجح إبراهيم إسرائيل تجر المنطقة للخراب أسامة غريب ليه فاتونا الحبايب؟ عمرو حمزاوي عن النتائج الكارثية لاعتداءات إيران على الخليج محمد زهران مستقبل مجهول لاقتصاديات الذكاء الاصطناعى محمود قاسم بطل من ورق محمد الهوارى قارئة الفنجان تتوقع هدوءًا سريعا لوتيرة المواجهات.. فهل تَصْدُق؟ معتمر أمين حرب إيران فى قلب الصراع على الممرات البحرية.. والوقت يداهم الجميع بسمة عبد العزيز فى العقل والحمق
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك