فى العقل والحمق

الجمعة 6 مارس 2026 - 6:35 م

لم يكُن فى الجلسة من حديثٍ سوى عن الحربِ التى تشنها الولاياتُ المتحدة الأمريكية على إيران. تباينت كالعادة الآراءُ؛ ثمَّة مَن بنى موقفَه على تأييد غير مشروط للهيمنة الرأسمالية مقابل كره جذريّ عميق لنظام المُرشد، وثمَّة مَن دعم المقاومة فى مواجهة العدوان سواء كانت دينية أو علمانية؛ غير أن الحاضرين أغلبهم قد اتفقوا على كون سياسات الرئيس دونالد ترامب ضربًا من الحمق عصيًّا على الاستيعاب؛ خاصة والصَلف الأمريكيّ الأصيل يتزايد فى الآونة الأخيرة فلا يترك براحًا كافيًا للاختيارات، ولا يعبأ بوجود مفاوضات، ولا يكترث لتعهُّدات أو اتفاقات؛ إنما يخرق كلَّ ناموسٍ وعرف.
• • •
العقلُ ميزة الإنسان الكبرى ومنبع قوته وتفوقه، كلما علا وسما واتسع الأفق الذى يجوبه؛ كلما حققت البشرية تقدمًا ورخاءً، وكلما ضاق وانغلق وتمركز حول صاحبه وحده؛ كلما تعثرت الحياة واستحالت. هذا الذى يتصوَّر أنه قد امتلك الكوكبَ، وحقَّ له أن يتصرَّف فى خيراته وثرواته وحده، وأن يسطوَ على أنصبة الآخرين وينحيهم بالقوة عن طريقه؛ يتمتَّع ولا شك بدرجة من درجات الحمْق تستوجب إعادة النظر فى ما أُعطِيَ له من سُلطة، وقد نظم الأبشيهى أوصافَ الأحمقِ المُتعارَف عليها فى كتابه "المُستطرَف فى كل فنّ مُستظرَف"، ومنها تركه النظر فى العواقب وخلوه من العلم؛ فإذا قال لم يُحسِن وإذا قيل له لم يفقه، وأضاف أن هذه الخلال توجد فى كثير الناس فلا يكاد يُعرَف العاقلُ من الأحمق؛ وإذ استمرَّت الحالُ على ما هى عليه فى عصرنا هذا، فطبائع البشر التى لا تتبدَّل.
• • •
من الحِكم العربية السَّديدة التى تجد طريقها إلى ألسنتنا فى عديد المواقف: "عدوَّ عاقل خيرٌ من صديقٍ جاهل". العدو العاقل يتَّصف بالحِكمة ويمكن الوصول معه إلى حلول وسطى على أرضية مشتركة، أما الصديق الجاهل؛ فأحمق يتعذر التفاهم معه، وفى أقصوصةُ الدبّ الطيب، حسن النوايا، الذى تسبَّب فى موت صاحبه دون أن يقصد؛ خير مثال.
• • •
فى مسرحية ريا وسكينة؛ تقول الفنانة شادية لزوجها عبد المنعم مدبولى الذى يطرق بابَ حجرة النومِ بكلتى يديه فى نزق ورعونة: "خبَّط بالعقل يا حَسبو"، يترجم حسب الله النصيحة حرفيًا، فيعقص رأسه ويضرب بها الباب؛ ليستجلب قهقهات المشاهدين. يبدو حسب الله فى هذا المشهد أحمقًا بحق؛ لكنه الحمقُ المُتعمَّد الذى يقصده الشخصُ لهدف فى نفسه، ويذكر فى هذا الإطار جحا الذى تعمَّد أن يبدو طيلة حياته على طيف الحماقة؛ لعلَّه يصيب من وراء نوادره فائدة أو مَكسب.
• • •
أنشد أبو الطيب المتنبى بيته الشهير: "لكل داء دواء يُستطبُّ به .. إلا الحماقة أعيت من يداويها"، والحال أن من العلل ما يستعصى على العلاج، ولا ينفك يفتك بالمصاب حتى يقضى عليه. المتنبى من أنضج الشعراء فى قرضِ أبيات الحِكمة، يمتاز على غيره بقوة العبارة وإحكام الصياغة وحسن انتقاء المفردات، وبموسيقى داخلية خاصة؛ تتيح لقصائده أن تسكن الذاكرة فلا تبارحها.
• • •
إذا تحيَّر الواحد أمام أمر مُلتبس؛ أوضح له العارفون ما خفى عنه من جوانب، ثم تركوا له اتخاذ القرار قائلين: "عقلك فى راسك تعرف خلاصك"، والقصد أن يمنحوه مساحة للتفكير والتقدير والتدبُّر، وأن يحملوه مسئولية الاختيار؛ إذ هو الأجدر بتقرير ما يلائمه.
• • •
إذا عقل المرء الموقف فقد أخضعه للفحص والقياس ولجأ إلى تغليب المنطق، وإذا أغفل هذا كله، وترك لمشاعره العنان ولانفعالاته سُلطة الحُكم والتصرُّف؛ فالأغلب أن يرتكب عملًا أحمق. يقال دومًا إن النساء يسلكن فى حيواتهن مسلكًا أهوجًا تقوده العواطف، وإنهن يقعن فى أخطاء كبرى مؤثرة لهذا السبب؛ لكن للأمر وجهين؛ فالعواطف المتدفقة تقيهن فى أحيان كثيرة شرَّ الجمود والتحجُّر، وتتيح لهن التنفيث عن الهموم والبلايا؛ ومن ثم تكسبهن الجَلَدَ وترفع قدرتهن على التحمُّل.
• • •
يقول المُتنبى أيضًا: "وذو العقل يشقى فى النعيم بعقله، وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم"، وثمة مأثور شعبى مواز يقول: "المجانين فى نعيم". الحق أن هذا المأثور غير دقيق، فمعاناة مَن ابتُلى بعِلة عقلية أو مرض لأكيدة مؤلمة، أما من اتخذ الحماقة رداءً لا يفارقه؛ فمستريح مسرور. بعض الناس قد أراحوا عقولهم وتخلوا عن رزانتهم، فما أخذوا الحياة على جدها ولا تأملوا يومًا فيها؛ إنما مضت بهم بسيطة خالية من التعقيد، يرون سطحها السَّلس وحده أما باطنها المركب فأعمق من إدراكهم، يحسدهم من استقروا على الجهة المقابلة، ويتمنون بعض الأحيان مكانهم.
• • •
يقدم الموروث الدينى نصيحة مقتضبة وثمينة: "اعقلها وتوكل"، الصيغة آمرة والمعنى أن يؤدى الفرد ما عليه أولا وأن يجيده قبل أن يترك الأمر بين يدى القوة العظمى الفاعلة فى الكون. الفرد قادر متحكم فى مصيره مجبول على الاختيار، لا يصح أن يتخلى عن ملكاته، ولا أن يدع حاله للظروف؛ تتلاعب بمصيره وتقوده كيفما اتفق.
• • •
فى مشهد إلقاء الرئيس الأمريكى خطابه عند افتتاح مجلس السلام العالمي؛ أكبر دليل على غرق العالم فى مستنقع من الحمق. اللقطات جميعها مغزولة من خيوط العبث؛ ناظر مدرسة يؤدب التلاميذ، يأمرهم بأداء أفعال محددة فيطيعون، يطلب أن يرفع أحدهم ذراعه وأن يقف آخر كى يراه الجالسون، يتحدث عن ثراء هذا وثروة ذاك ويوزع حبه وإعجابه بنسب متفاوتة تبعًا لحجم الاستثمارات والأصول. فاصل من الخزى لا يقبله عاقل ولا يرضى به سوى مأفون.
• • •
يقال إن "العقل زينة" والقصد أن حضوره وانعكاسه فى التصرفات والأفعال يدعم صورة صاحبه، وأن غيابه أو اهتزازه وتواريه لأى سبب من الأسباب؛ يقبحها، وإذا كانت "الزينة" التى نعلن بها عن مناسباتنا المفرحة هى من الشكليات التى يمكن الاستغناء عنها؛ فالعقل ليس منها إنما هو أساس لا غنى عنه، ولا بديل حال أفوله.
• • •
العقلُ جوهر الحكم الرَّشيد، وفى مخطوطته "أخبار الحَمقى والمُغفلين" يقول ابن الجوزيّ: "مؤنة العاقل على نفسه ومؤنة الأحمق على الناس"، فمتى كان الحاكمُ عاقلًا كفى الناسَ شرَّه، وإن لم يكن؛ أثقل كواهلَهم وأورثهم البؤسَ والفقر.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة