ما وراء المرآة.. اكتشاف المعنى الحقيقى لحب الذات

الجمعة 2 يناير 2026 - 6:25 م

فى عالمنا المعاصر، صار مفهوم حب الذات شائعًا على نطاق واسع، حيث يتبناه الكثيرون كوسيلة لتعزيز الإيجابية والقبول الذاتى، وبالرغم من شعبية المفهوم فإن مفهوم حب الذات يُساء فهمه، إذ يعتقد الكثيرون أنه يقتصر على التقدير الخارجى والممتلكات المادية، وقد ساهمت وسائل الإعلام والشركات فى ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ، مستغلةً فكرة حب الذات لبيع المنتجات والترويج لمعايير جمال غير واقعية.
ونتيجة لذلك، يعتقد الكثيرون لا سيما النساء، أن حب الذات يقتصر على تحقيق مظهر جسدى معين، وارتداء ملابس فاخرة، واستخدام مستحضرات تجميل باهظة الثمن، وقد أدى هذا التعريف الضيق لحب الذات إلى خلق ثقافة استهلاكية، حيث يشعر الناس بضغط مستمر لشراء المزيد واقتناء المزيد ليشعروا بالرضا عن أنفسهم، إلا أن هذا النهج فى حب الذات ليس فقط غير مستدام، بل إنه يتجاهل أيضًا الجوانب الأعمق والأكثر جوهرية لحب الذات.
الحب الحقيقى للذات هو تقبّل الذات بكل عيوبها ومزاياها، هو إدراك نقاط القوة والضعف، والتعامل معها بلطف ورحمة، هو الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية والعقلية معًا، واتخاذ خيارات تُعزز الصحة العامة والسعادة. حب الذات لا يقتصر على الشعور بالرضا عن النفس، بل يتعداه إلى معاملة النفس بلطف.
من أهم أسباب سوء فهم حب الذات هو طريقة تسويقه من قِبل وسائل الإعلام والشركات، فكثيرًا ما تُروّج الإعلانات وحملات التواصل الاجتماعى لحب الذات كوسيلة لتحقيق الكمال الجسدى، حيث تُروّج عارضات الأزياء والمشاهير لمنتجات وخدمات تعد بمساعدة الناس على الوصول إلى مظهر أو شعور معين، إلا أن هذا النهج فى حب الذات ليس غير واقعى فحسب، بل هو مُضر أيضًا، إذ يُرسّخ معايير جمالية مستحيلة، ويُعزز فكرة أن على المرء أن يُحسن نفسه باستمرار ليستحق الحب والقبول.
إضافة إلى ذلك، أدى التركيز على المظهر الخارجى والممتلكات المادية إلى خلق ثقافة التنافس والمقارنة، حيث يشعر الناس بضغط دائم لمقارنة أنفسهم بالآخرين. وهذا قد يُؤدى إلى مشاعر النقص، وتدنى احترام الذات، والقلق، إذ يشعر المرء بأنه غير كفء أو أنه لا يرقى إلى مستوى التوقعات. أما حب الذات فهو تقبّل الفرد لفرديته، وإدراك أن لكل شخص نقاط قوته وضعفه.
ومن الجوانب المهمة الأخرى لحب الذات العناية بالذات. فالعناية بالذات تعنى الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية والعقلية معًا، ويشمل ذلك ممارسة الرياضة، والتأمل، وقضاء الوقت فى الطبيعة، بالإضافة إلى وضع حدود شخصية وتحديد أولويات الاحتياجات والرغبات. العناية بالذات ليست أنانية، بل هى ضرورية، إذ تُمكّن المرء من استعادة نشاطه وتركيزه، والتعامل مع الحياة بحيوية وحماس وهدف.
إلى جانب العناية بالنفس، يشمل حب الذات أيضًا تقبّل الذات والتعاطف معها، وهذا يعنى إدراك أن لكل شخص عيوبًا ونقائص، وأنه لا بأس من ارتكاب الأخطاء، ويعنى أيضًا أن نكون لطفاء ورحيمين مع أنفسنا، وأن نتجنب النقد الذاتى والحكم على الذات. يُعدّ تقبّل الذات والتعاطف معها أساسيين لبناء تقدير الذات والثقة بالنفس، ولخلق علاقة إيجابية وداعمة مع الذات.
ومن المهم أيضًا ملاحظة أن العديد من النساء يُعطين الأولوية لمظهرهنّ الخارجى، لكنّهنّ يُهملن صحتهنّ النفسية، قد يقضين ساعات فى النادى الرياضى، ويحرصن على العناية بأظفارهنّ بانتظام، ويرتدين ملابس فاخرة، لكنّهنّ مع ذلك يجدن أنفسهنّ عالقات فى علاقات سامة أو يُعانين من تدنى تقدير الذات، وهذا يُبرز أهمية النظر إلى ما هو أبعد من المظهر الخارجى والتركيز على حب الذات والعناية بها من الداخل، فحب الذات الحقيقى لا يقتصر على المظهر الجيد فحسب، بل على الشعور الجيد أيضًا، وهذا يتطلب مستوى أعمق من الوعى الذاتى وتقبّل الذات.
بصفتى ناشطة فى مجال الحركة النسوية، فإننى على دراية بتأثير التوقعات المجتمعية والأعراف الأبوية على ثقة المرأة بنفسها وصورتها الذاتية، فالتعرض المستمر لمعايير جمال غير واقعية قد يخلق ثقافة الشك الذاتى وانعدام الأمان، حيث تشعر المرأة بأنها غير كافية أو لا ترقى إلى مستوى التوقعات. فى هذا السياق، لا يقتصر حب الذات على تمكين الفرد فحسب، بل يتعداه إلى التحرر الجماعى، حيث تتحد النساء لتحدى هذه الأعراف القمعية ومقاومته.
يجعلك حب الذات والاهتمام بها فى علاقات صحية وناجحة، من خلال إعطاء الأولوية لاحتياجاتك ورغباتك، والتحلى باللطف والتعاطف مع نفسك، يمكنكِ بناء علاقة أقوى وأكثر دعمًا مع شريكك. حب الذات لا يقتصر على السعادة الفردية فحسب، بل يشمل أيضًا بناء علاقات إيجابية ومحبة مع الآخرين.
ختامًا، حب الذات مفهوم معقد ومتعدد الأوجه، يتجاوز بكثير مجرد التقدير الخارجى والممتلكات المادية. إنه يتعلق باحتضان الذات وقبولها.


سحر بن على
جريدة الرأى الكويتية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة