x قد يعجبك أيضا

حجر رشيد.. مفتاح لغوى واتفاق سياسى

الخميس 1 يناير 2026 - 7:11 م

بحلول عام (2026) يمر 225 عامًا على استيلاء الإنجليز على حجر رشيد. ففى سبتمبر من العام 1801 استسلمت الحامية الفرنسية المحاصرة فى الإسكندرية للقوات الإنجليزية والعثمانية منهية الحملة الفرنسية على مصر التى بدأت فى صيف 1798.
فى إطار هذه الحملة وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات غنم الفرنسيون مجموعة كبيرة من الآثار المصرية ومنها حجر رشيد، إلا أن الإنجليز اشترطوا ضمن شروط استسلام القوات الفرنسية تسليم هذه الآثار، وأخذوها معهم لتشكل نواة لقسم الآثار المصرية فى المتحف البريطانى ودرته حجر رشيد.
يعتبر حجر رشيد أول حجر ثنائى اللغة من مصر القديمة يُكتشف فى العصر الحديث، حيث إن الكتابة عليه تنقسم إلى ثلاثة مقاطع: الأول والثانى بالمصرية القديمة بالكتابتين الهيروغليفية والديموطيقية، والثالث باليونانية القديمة. عثر ضابط فرنسى يدعى بيير - فرانسوا بوشار على هذا الحجر فى شهر يوليو عام 1799 فى طابية رشيد أو قلعة جوليان كما أسماها الفرنسيون. وبُنيت هذه القلعة فى عهد السلطان قايتباى قبيل الفتح العثمانى لمصر ويبدو أنه تم استخدام حجارة من أطلال المعابد المصرية القديمة فى بنائها. وهو ما لاحظه الفرنسيون عند احتلالهم للقلعة حيث وجدوا العديد من الأحجار عليها نقوش هيروغليفية. ومن ضمن هذه الأحجار كان حجر رشيد الذى يُعتقد أنه تم جلبه من موقع صا الحجر الأثرى الذى يقع جنوبا على فرع رشيد قرب بسيون بمحافظة الغربية.
استنسخ الفرنسيون من الحجر عددًا من النسخ قبل تسليم الأصل للإنجليز، وهو ما مكّنهم من دراسة الكتابة المصرية القديمة ومقارنتها باليونانية. استغرق هذا الجهد سنوات عدة وعمل عليه عدد من العلماء الفرنسيين أبرزهم جان -فرانسوا شامبليون. بينما على الجانب الآخر عمل عدد من العلماء الإنجليز على نفس المهمة أبرزهم توماس يانج، ونشر الاثنان نتائج أبحاثهما فى توقيت متقارب من سنة 1822. اكتسب الحجر من بعدها شهرة عالمية كونه السبب فى معرفة اللغة المصرية القديمة، مما فتح الباب أمام قراءة كل النصوص المصرية القديمة فى المعابد والبرديات وغيرها.
• • •
ليس حجر رشيد هو الحجر الوحيد ثنائى اللغة الذى تم اكتشافه، فبعد ذلك اكتشفت أحجار مماثلة أقدم من حجر رشيد وأكثر اكتمالا منه، أشهرها المرسوم الكانوبى الذى اكتشف عام 1866 فى تانيس (صان الحجر بالشرقية)، واُكتشف لاحقا عدد من النسخ منه فى أكثر من موقع أثرى. لم يخرج هذا الحجر من مصر كسابقه، فهو موجود فى المتحف المصرى بالتحرير حتى الآن. إضافة إلى حجر رفح الذى يخلد انتصار الملك بطليموس الرابع على السلوقيين فى موقعة رفح، ووُجد فى أطلال منف فى ميت رهينة عام 1902. لكن لا تحظى هذه الأحجار بنفس شهرة وأهمية حجر رشيد، كونه مَثل المفتاح الأول لفك سر الكتابة المصرية القديمة.
هنا يأتى السؤال: ماذا كان مكتوبًا على هذا الحجر التاريخى الهام؟
الحجر هو جزء من حجر أكبر فُقدت أكثر أجزائه، فالنصوص بالخطوط الثلاثة عليه غير مكتملة. فهو مكون من 14 سطرا فقط من الهيروغليفية بينما الجزء الأعلى من النص الهيروغيلفى مفقود نتيجة الكسرين العلويين بالحجر. بينما يوجد 32 سطرا من الديموطيقية، وهو الجزء الأكثر اكتمالا من النص، وفى الأسفل 54 سطرا من اليونانية، منها فقط 27 مكتملة والباقى ناقص نتيجة الكسر أسفل الحجر. لكن نستطيع أن نعرف إلى حد كبير ما كُتب على هذا الحجر مما تبقى من نصوص.
يخلد الحجر قرار مجلس الكهنة المجتمع فى منف (ممفيس) لتكريم الملك بطليموس الخامس فى بدء العام التاسع لحكمه فى اليوم الرابع من شهر زانديكوس المقدونى الموافق لليوم الثامن عشر من الشهر الثانى من برت (مشير- أمشير) من شهور المصريين، وهو الموافق ليوم 27 مارس عام 196 قبل الميلاد. يبدأ القرار بذكر كرم الملك من جهة قراراته تخفيض بعض الضرائب وإلغاء البعض الآخر ليكون الشعب سعيدًا فى عهده. كما يذكر المنح والمزايا التى أعطاها الملك للكهنة المصريين إذ ينص القرار على إيرادات المعابد من جهة، وعلى الضرائب التى يدفعها الكهنة من جهة أخرى: «إن الإيرادات المقدسة للآلهة، وما يُمنح لمعابدهم سنويا من فضة وحبوب كمخصصات، وكذلك الحصص التى تعود للآلهة من الكروم والبساتين، وجميع الممتلكات الأخرى التى كان لهم حقوق عليها فى عهد والده، يجب أن تبقى فى حوزتهم (...) ألا يدفعوا ضريبة الكهنوت بأكثر مما كانوا يدفعونه حتى السنة الأولى من حكم والد الملك. كما أعفى العاملين فى إدارات المعابد من رحلة الإبحار التى يقومون بها إلى الإسكندرية كل عام». كذلك منح الملك عفوا عاما عن المساجين وتجريما للسخرة، ويعدد الحجر عطايا الملك للإلهين أبيس (العجل) وأمنفيس (الثور): «إذ كان قلبه مشغولا بأمورهما فى كل حين، باذلا كل ما يُبتغى لمراسم دفنهما العظيمة والمبجلة، ومتحملا التكاليف الخاصة بهما فى معابدهما عند إقامة الشعائر وتقديم القرابين أمامهما، وكل ما يليق القيام به من أمور أخرى».
فى مقابل كل هذا الكرم الملكى كان قرار الكهنة: «أن يُنصب تمثالًا للفرعون بطليموس فى أبرز مكان فى المعبد». وأن تقام له الطقوس ثلاث مرات يوميا ككل الآلهة الأخرى. كما حدد القرار موعد الاحتفال بأعياد الملك الإله. ففى اليوم الأخير من الشهر الرابع من فصل الصيف (شمو) (أى شهر ميسورى -مسرى) يُحتفل بعيد ميلاد الملك، بينما فى اليوم السابع عشر من الشهر الثانى من فصل الشتاء (برت) (أى شهر مشير - أمشير) يحتفل بعيد تتويج الملك. وفى هذين اليومين تقام الاحتفالات والمواكب فى كل معابد مصر، وأيضا نص القرار على «أن يُقام احتفال وموكب فى المعابد وفى سائر أنحاء مصر للفرعون بطليموس كل عام، فى اليوم الأول من الشهر الأول من فصل الفيضان (أخيت) ولمدة خمسة أيام». كذلك يدعو القرار الناس لاقتناء تمثال ذهبى للملك فى منازلهم: «والاحتفال بالأعياد المذكورة كل عام». ويُختتم القرار بتعليمات لنصب أحجار تحمل نسخًا من هذا القرار فى كل معابد مصر.
• • •
كما نرى فإن حجر رشيد فى ظاهره هو نص دينى لكنه فى جوهره هو اتفاق سياسى بين طبقة الكهنة فى مصر والحاكم البطلمى المقدونى بطليموس الخامس. فمقابل رفع مكانة الملك إلى مصاف الآلهة وعبادته فى كل معبد ومنزل فى مصر، حصل الكهنة على مكتسبات لعامة الناس منها تقليل وإلغاء بعض الضرائب وتجريم السخرة، وكذلك بعض المكتسبات الخاصة بهم، منها إعفاؤهم هم ومعابدهم من ضرائب جديدة وإبقاؤها ثابتة. وهو ما يرضى الجميع؛ كهنة وشعبا وملكا.

النص الأصلى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة