x قد يعجبك أيضا

نجيب محفوظ.. «بداية ونهاية»

السبت 30 أغسطس 2025 - 6:50 م

 (1)

ما زلتُ على قناعتى فى كل مناسبة تتصل بنجيب محفوظ (ذكرى رحيله أو ميلاده أو حصوله على نوبل) بضرورة الدعوة لقراءة محفوظ وإعادة اكتشافه باعتباره ضميرا حيا من ضمائر هذه الثقافة؛ ففى ظنى، لم يقرأ نجيب محفوظ بعد بما يستحقه من عمق وتأمل شفيف، ولم تقرأ نصوصه الإبداعية (رواياته جميعًا وقصصه القصيرة، وحوارياته المسرحية) كمتن واحد مكتمل يفضى بعضه إلى بعض..

هناك نصوص أعيد قراءتها المرة تلو المرة، وأذهل من جمالها، وجدتها، وعمق طرحها، وتعدد مستوياتها الجمالية والتأويلية. على سبيل المثال: «حكايات حارتنا»، «حضرة المحترم»، «قلب الليل»، وقبلها «المرايا»..

أما مجموعاته القصصية فلك أن تقرأها وتعيد قراءتها وتصل إلى نتيجة مفادها أن نجيب محفوظ كان من أبرع من كتبوا القصة فى زمنه وقبل زمنه وبعده أيضًا! على الأقل فى ضمير وقناعة صاحب هذه السطور.

وإذا أضفنا إلى ذلك كله حصيلة وافرة وضخمة من الحوارات والأحاديث وكتب المذكرات والحواريات المتلفزة والإذاعية، والأفلام التسجيلية، وكل ما يدخل فى هذه الدائرة.. جابهتنا مادة مذهلة؛ لم تكتشف بعد أيضًا، ولم تقرأ بالعمق الواجب ولم تترجم إلى فهم عميق للروح المصرية وأزماتها وإشكالاتها، والبحث عن طريقها كما يجب، ولم تُقتنص منها «روح الحكمة المحفوظية» ولمعه وومضاته التى تشبه بعضا مما جاد به علينا فى «الأصداء» وفى «الأحلام».. وقد توقفت أمام بعض هذه الأعمال مرات متأملا وقارئا وأعيد النظر فيها المرة تلو المرة لأجد اكتشافات جديدة ومبهرة.

(2)

وقفتى هذه المرة مع «بداية ونهاية»، وهو العمل الذى سبق الثلاثية مباشرة؛ وكأنه كان فى رواياته الواقعية السابقة عليها يتدرب لها ويمرن نفسه عليها كى ينجز الثلاثية بما صارت عليه باعتبارها النموذج الكلاسيكى للرواية العربية فى القرن العشرين.

كتب نجيب محفوظ «بداية ونهاية» فى النصف الثانى من الأربعينيات، ونشرها فى عام 1948؛ وهى تعد فى نظرى أكمل نموذج لروايات المرحلة الاجتماعية الواقعية التى كتبها نجيب محفوظ قبل أن يتوِّجها بعمله الواقعى الفذ (الثلاثية).

تراجيديا مصرية خالصة، لم يكن محفوظ يخطط لكتابتها على هذا النحو أبدًا، الفكرة فى صورتها الأولى كانت أن يكتب رواية تسخر من الطموحات المزيفة للمصرى البسيط، وشخصية «الفهلوى» عموما فى المجتمع المصرى، أراد أن يسخر منه، وخطط لتكون روايته كوميدية!

أثناء الكتابة فوجئ محفوظ بتغير ذلك كله، وتحولت الرغبة العارمة فى «السخرية» إلى «تعاطف» هائل إزاء مأساة كاملة، تجسدت فى معاناة عائلة مصرية صميمة؛ اسمع معى محفوظ وهو يبدى تعاطفا مذهلا مع شخوص روايته وهو يتحدث عنها فى فكرتها الأولى:

«بداية ونهاية بالذات لها تجربة غريبة جدًا. هى كانت عن شخصية «الفهلوى» فى عيلة (أسرة مصرية).. إنت عارف المصريين «الفهلوية» دايما يعملوا علينا «فهلوية»! ففكرت أكتب عنهم «قصة كوميدى»، أهزقهم.. أرد فيها اللى بيعملوه، وبعدين ابتديت - والله يا أستاذ (موجها حديثه للمذيع الذى يحاوره) - لما أفكر لاقيت إنه فى الواقع حياتهم مش زى ما تبدو لى كوميدى و«فهلوية»، إنما حياتهم مأساة! فانقلبت الرغبة فى الانتقام (منهم) إلى عطف شامل (عليهم)!».. (نجيب محفوظ فى حوار مسجل عام 1986).

(3)

تبدأ المأساة بموت الأب، لتواجه أرملته وأبناؤها الأربعة عواصف الحياة وتقلبات الظروف بلا عائل ولا حماية. صورة مقرَّبة وكاشفة للمجتمع المصرى قبل 52، من خلال ما عانته تلك الأسرة التى تعيش فى ذيل الطبقة البرجوازية الفقيرة، بعد موت عائلها الوحيد. تقدم «بداية ونهاية» من خلال شخصياتها قيم الطبقة الوسطى فى جوانبها العامة، من نبل وتخلف وهدم وهوان، ويكشف محفوظ ببراعته الفنية عن آليات انهيار هذه الأسرة الممثلة لغيرها من الأسر، فى مجتمع معين رغم قوة الإرادة الفردية.

ولعلى أتفق مع من يرى أن «بداية ونهاية» هى أهم ما كتب نجيب محفوظ بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة؛ إذ استطاع فى هذه الرواية أن يغير من مفهوم البلاغة القديمة، بأن يعتمد على الدقة فى الصياغة والوصف، ويبتعد السرد عن الإطناب والحشو والزوائد، ووصل بها إلى أن تكون دليلا ماديا لا ينكر، على أن الجهد والمثابرة جديران بخلق عمل فنى كامل (بتعبير الناقد الراحل أنور المعداوى).

(4)

وما زلت أتمنى أن نتشارك جميعًا متعة اكتشاف القارة الإبداعية العظمى فى ثقافتنا العربية المسماة «نجيب محفوظ»؛ لا من باب التقديس ولا المغالاة ولا إهمال أى أصوات أخرى، إنما من باب احترام المنجزات الكبرى وتقدير «القيمة» التى تتجدد وتثبت كل يوم أنها من عيون الإبداع العالمى، ومن كنوز التراث الإنسانى.

فى رأيى يمثل محفوظ المكانة والقيمة التى يمثلها شكسبير عند الإنجليز، يولد الإنجليزى ويلقن معنى وقيمة شكسبير، يعايشه منذ الطفولة وحتى نهاية مراحل التعليم، فيصبح جزءا لا يتجزأ من تكوينه ومفاهيمه واستعذابه للغة وتذوقه لجمالها..

وأحلم بأن يمثل محفوظ، ذات يوم، فى وجدان المصريين وأجيالهم ما يمثله «ثربانتس» للمتحدثين بالإسبانية والناطقين بها.. (وللحديث بقية).

 

 

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2025 - جميع الحقوق محفوظة