x قد يعجبك أيضا

عودة إلى فلسطين ما بين النهر والبحر

الأحد 31 أغسطس 2025 - 7:25 م

 

منذ أن تسلل إلى مفردات الخطاب السياسى الفلسطينى والعربى منتصف سبعينيات القرن الماضى، ثم صار مبدأ أساسيا فى مفاوضات التسعينيات، لم يكن «حل الدولتين» سوى خدعة سياسية تهدف إلى تطويل عمر الاحتلال الإسرائيلى، وتوفير غطاء قانونى وأخلاقى لابتلاع ما تبقى من أراضى فلسطين، حتى تُمحى ملامح الدولة الموعودة وتتحول إلى أطلال أو أثر بعد عين.

المؤسف أن بعض الأنظمة العربية ومعها السلطة الفلسطينية، رغم إدراكها الكامل بأن «حل الدولتين» صار سرابا، استمرت فى الركض خلفه كلما لوح به الأمريكيون والأوروبيون بهدف تخدير الرأى العام الدولى وصرف الأنظار عن جرائم الاحتلال اليومية فى حق فلسطين وشعبها. وكأنه لم تصلهم تصريحات وزراء الحكومة الإسرائيلية «فما بين النهر والبحر لن تكون هناك دولة سوى إسرائيل»، حسبما صرح قبل أيام وزير الطاقة الإسرائيلى إيلى كوهين، وهو الرأى المعبر عن معظم ساسة الكيان الذين يعتقدون أن «إسرائيل الكبرى» لن تقوم إلا باحتلال كامل فلسطين التاريخية، وإخضاع دول الجوار وإجبارهم على القبول بـ«سلام القوة».

البيانات الأوروبية الأخيرة التى جددت الحديث عن «حل الدولتين» والاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما هى إلا محاولة لإبراء ذمة أمام شعوب الغرب الناقمة على مشاركة حكومتها فى حرب الإبادة على الشعب الفلسطينى، فإسرائيل أقامت بالفعل نظام فصل عنصرى كامل، واستباحت ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وحولت الضفة إلى «كانتونات» محاصرة بلا سيادة ولا مستقبل، وجعلت من السلطة الفلسطينية إدارة مدنية خاضعة لها، حتى إنها لم تتردد فى اقتحام رام الله – مقر السلطة – فى رسالة استخفاف فجّة، مفادها أن «سلطة أوسلو» لم تعد تملك حتى حرمة مقرها.

ثم جاء إعلان الولايات المتحدة بمنع أعضاء السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير من دخول أراضيها للمشاركة فى اجتماعات الأمم المتحدة، ليضع المسمار الأخير فى نعش «أوسلو».

بالتزامن تمضى إسرائيل، فى تطبيق برنامجها المعلن؛ محاولات لا تتوقف لإخضاع غزة أو إجبار أهلها على الرحيل، وفرض السيادة الكاملة على الضفة، وإفشال أى محاولة للاعتراف بـ«الدولة الفلسطينية» عبر الأمم المتحدة.

ما يجرى فى السنوات الأخيرة ليس مواقف عابرة لحكومة متطرفة، بل سياسة ممنهجة تعكس تحوّل المجتمع الإسرائيلى نحو اليمين الدينى والقومى، الرافض لأى تسوية عادلة مع الفلسطينيين، والمقتنع بأنه لا مكان لشعب فلسطين بين البحر والنهر. ونتائج الانتخابات الإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين والتى أفرزت حكومات يمينية متعاقبة، (دينية أو قومية)، تتسابق على خدمة المشروع الاستيطانى، دليل دامغ على أن شعارات السلام والتعايش التى كان ترفعها بعض أحزاب اليسار تلاشت وانتهت.

ما نراه اليوم هو تطبيق حرفى لما خطه بنيامين نتنياهو فى كتابه «مكان بين الأمم» منتصف تسعينيات القرن الماضى، إذ رفض بشكل قاطع «أوسلو» وحل الدولتين، وكتب بوضوح أن أى كيان فلسطينى لا بد أن يكون منزوع السيادة ومقطّع الأوصال. بعد ثلاثين عاما، صار ذلك الكتاب برنامج حكم تنفذه حكومات إسرائيل المتعاقبة بلا استثناء.

لقد كانت أوسلو فخا سياسيا محكما، جمل وجه الاحتلال الاستيطانى الإجرامى وحوله إلى شريك فى «عملية سلام»، وشرعن وجوده على 78% من أرض فلسطين التاريخية، وترك للفلسطينيين وعدًا بدولة لم ولن تولد كنتاج لهذا المسار، وسلطة تحولت إلى جهاز إدارى أمنى يخدم الاحتلال أكثر مما يحمى شعبه، أما وعود الاستقلال وحق تقرير المصير وغيرها، فتبخرت وصارت سرابا.

ثلاثون عامًا، كان يجب أن تكون كافية كى يدرك العرب وفى القلب منهم الفلسطينيين أن التمسك بـ«أوسلو» و«حل الدولتين» يمنح العدو فرص جديدة كى يكمل ما بدأ، بدلا من حصاره بمبادرات وخيارات آخرى يمكن أن تجد تعاطفا أو تفهما دوليا بعد انكشاف وجه إسرائيل الإجرامى أمام شعوب العالم خلال العامين الماضيين.

لم يعد أمام العرب والفلسطينيين ترف الركض خلف نعش «أوسلو» وسراب «حل الدولتين»، فالخيار المقبول الآن فى ظل الصلف الإسرائيلى الأمريكى، هو العودة إلى الأصل والتمسك بإقامة الدولة الفلسطينية على كامل أراضى الشعب الفلسطينى «ما بين النهر والبحر»، وما يترتب على ذلك من سحب الاعتراف بإسرائيل التى صارت كيانا منبوذا ملاحقا فى المحاكم الدولية.. فرفض الاعتراف يقابله سحب اعتراف، والحديث عن دولة يهودية ما بين النهر والبحر، يقابله التمسك بدولة فلسطينية على كامل أراضى فلسطين التاريخية.

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2025 - جميع الحقوق محفوظة