x قد يعجبك أيضا

في العتمة تسقط الحقيقة والحق أيضًا!

الأحد 31 أغسطس 2025 - 7:25 م

كلما وضعت عبارة هنا لم تتمالك أن تعلق فيها على خبر آخر مستفز، وهى كثيرة فى بلادنا هذه الأيام، وكأنك ترمى بحجر صغير فى مياه راكدة كبحر الخليج، فجأة تخرج الكثير من الثعابين حتما، ولكن معها أيضا بعض الأسئلة البريئة وفى معظمها تطالب بمعرفة السبب أى: «لماذا؟» أو: «ما الذى حدث؟». وفيما يدعى الكثيرون من الكُتاب أنهم على علم ومعرفة بالإجابة الواضحة والعلمية لتفسير ما حدث لنا ولمجتمعاتنا بعضنا يعترف بالعجز عن إعطاء التفسير الوافى إلا فى إعادة القراءة لبعض المفكرين والمحللين الذين عملوا بجهد عظيم لتفكيك المجتمعات وعلاقتها بالسلطات المختلفة أو علاقة المجتمع بالدولة.

 • • •

 كان أولهم، وربما أهمهم، ابن خلدون عندما عاين الصراعات بين السلطان، والناس، والعصبية، والجماعة. فهو من أكد أن إذا قويت جماعة ما وسيطرت على مفاصل الدولة فهى سرعان ما تميل إلى احتواء كل ما حولها. أى تخلق مغريات للضعيف وأدوات للقوى وتهيمن تدريجيا ليس فقط على مفاصل الدولة، بل وكل المؤسسات التى تعبر عن الناس من نقابات الحرفيين والمزارعين إلى روابط العلماء والتجار وكلهم كانوا حتى فى ذاك الزمن البعيد يتقلبون بين كونهم صوت الناس وبين التوجيه السلطانى أى بين حلم الاستقلال وواقع الهيمنة!!!

 • • •

 يمضى الوقت سريعا وتبدأ الجمعيات المهنية والتخصصية فى الانتشار حتى أصبح البعض يرى فيها وسيلة للنفوذ أو الوصول إلى مراكز صنع القرار أو حتى المنفعة الذاتية البحتة. وهنا وجدت كثيرا منها نفسها بين مطرقة قبضة السلطة وغواية المصالح الخارجية التى تتسلل لها عبر التمويل تارة وعبر التظاهر بأنها تدافع عنها وعن حقوقها ومصالحها. فى «شخصية مصر» للعبقرى جمال حمدان هناك ما يشير إلى أن أخطر ما يواجه الأمم هو أن تتحول الجمعيات والنقابات، التى نشأت لخدمة الناس إلى أذرع تتلون بألوان السلطة التى تعيد تشكيلها بحسب متطلبات اللحظة السياسية والتوازنات الإقليمية والدولية. هنا يسقط الحلم الذى كان فى الدفاع عن هذه الفئة أو تلك مثل الصحفيين والإعلاميين، إلى آلية ضبط وترويض وربما تطبيل وتمجيد حتى للقوانين والأنظمة التى تكبل العاملين فى هذا المجال أو ذاك، ويتحول الحراك إلى مسرحية فاشلة لجمعية صورية!!! هنا تتراجع هذه الجمعيات وتبعد عن دورها الأصلى لتصبح صوتا آخر للسلطة المهيمنة وتتقلص تدريجيا لتبقى جمعية خاصة بالحفلات فى المناسبات فقط، ويتحول القائمون عليها من مهنيين حقيقيين مدافعين عن المهنة وحقوق العاملين فيها إلى منظمى حفلات ورحلات ترفيهية ويسقط الجميع فى نفس المستنقع!!!

 • • •

 وقد كشف كثير من الباحثين مثل نعوم تشومسكى، وإدوارد سعيد، وجوزيف ناى عن مثل هذه الهيمنة «الناعمة» على مؤسسات المجتمع المدنى وخاصة منها الجمعيات المهنية التى تفرغ من مضامينها وكونها صوتا للفئات التى تمثلها وبذلك صوت للناس، لتتحول إلى مؤسسات بيروقراطية شكلية لتجميل وجه الهيمنة أو تمرير المشروعات التى هى بعيدة عن مصالح فئات من الناس إن لم يكن كلهم.

 • • • 

ومنذ السابع من أكتوبر ومثل هذه الجمعيات والمؤسسات تتعرى واحدة بعد الأخرى كما هو حالها عندما تمر البلد أو المنطقة أو الشعوب بأزمات معيشية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو سياسية. فتكثر الجمعيات التى تعقد مؤتمرات وندوات تحت رعاية الدولة، وتصدر البيانات أو التصريحات المتماهية مع خطاب السلطة، وتكتفى بالاحتفاء بإنجازات الحكومة التى هى معدومة وتتغاضى عن الانتهاكات فى الحقوق. هنا تسقط النقابات والجمعيات تلك المهنية منها والمعنية بالتنمية وحقوق الإنسان لتتحول إلى هياكل مجردة من الروح عاجزة عن التأثير فى الوعى أو أن تكون صوتا للناس.

 • • •

أمام هذا المشهد المركب، يصبح السؤال: ما السبيل إلى استعادة دور المجتمع المدنى الحقيقي؟ هل انتهى زمن الجمعيات المستقلة والنقابات الحرة؟ أم أن ثمة إمكانية لبعث روح جديدة، تعيد للمجتمع المدنى بريقه ودوره كسلطة رابعة تراقب وتحاسب وتقاوم التبعية؟

 • • •

 الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لكنها تبدأ من إدراك عميق أن المجتمع المدنى لا يُختزل فى الجمعيات المسجلة أو النقابات القانونية، بل هو فى جوهره حراك الناس وحلمهم بالدفاع عن حقوقهم وكرامتهم. وأن استقلال المجتمع المدنى ليس منحة تُعطى من السلطة أو المانح، بل هو معركة دائمة تتطلب وعياً جماعياً وإرادة سياسية وتضحية بالامتيازات من أجل المصلحة العامة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2025 - جميع الحقوق محفوظة