فى عهد دونالد ترامب، لم تعد تمارس الهيمنة الأمريكية بالقوة فقط، بل بالصورة أيضا. مشهد قادة أوروبا يحيطون به فى المكتب البيضاوى، يتسولون موقفًا يخدم مصالحهم، يكشف المشهد رؤية تراتبية صارمة: مركز أمريكى متعال، وحواف تتأرجح بين الشراكة المشروطة والخضوع الرمزى. الصورة هنا ليست توثيقا للحظات ديبلوماسية، بل أداة لإعادة إنتاج السيطرة.
مع نهاية الحرب الباردة، دخلنا طورًا ثالثًا من الهيمنة، أكثر تمويها، يتخفى خلف شعارات العولمة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، لكنه يظل وفيا لجوهره: فرض السيطرة، لا عبر الجيوش وحدها، بل عبر المؤسسات الدولية، والأسواق، والخطاب الأخلاقى المعلب.
ما نشهده اليوم مع صعود «الترامبية» ــ خصوصا فى ولاية الرئيس ترامب الثانية ــ لا يمكن اعتباره مجرد امتداد للإمبريالية المعولمة، بل هو انزياح جذرى نحو طور جديد من الهيمنة: طور فاضح، عنيف، ومكشوف، تتخلى فيه الولايات المتحدة عن أقنعة الدبلوماسية، وتتصرف فى المسرح الدولى كما لو كانت عصابة منظمة، تمارس الابتزاز العلنى، وتستند إلى منطق القوة المجردة، وتضرب عرض الحائط بكل ما راكمه القانون الدولى من أعراف ومبادئ ومؤسسات.
لم تعد واشنطن تتطلع إلى إقناع العالم، بل تسعى إلى إخضاعه، لا عبر الحلفاء أو المؤسسات، بل عبر فرض الإيقاع بالقوة، وبلا أى اعتبار للشرعية أو التوازن. ثم لم تعد فى حاجة إلى تبنى سرديات مقنعة، ولا تتكلف عناء التبرير، بل تمارس سطوتها بوجه سافر، وتفرض إيقاعها على العالم كما لو كانت تصوغ قانونا جديدا للعلاقات الدولية: قانون القوة المجردة، بلا أقنعة، وبلا توازنات.
«الترامبية» ليست مجرد نزعة داخلية فى السياسة الأمريكية، بل هى نمط توسعى جديد يعيد تشكيل مفهوم الإمبريالية على أسس أكثر توحشا، وأقل تمويها، وأكثر استخفافا بالحلفاء قبل الخصوم.
تمثل «الترامبية» طورا نوعيا جديدا من أطوار الهيمنة، يجمع بين الانفلات الذى يضرب مؤسسات الدولة الأمريكية من الداخل، والتغول الخارجى الذى يعيد تشكيل العلاقات الدولية بمنطق الغنيمة لا بمنطق القانون.
فى هذا الطور، تستخدم أدوات غير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية التى تتحول إلى حصار شامل، إلى استعراض القوة بوصفه لغة تفاوض، إلى تحويل العلاقات الدولية إلى صفقات لحظية تدار بمنطق الربح الفورى.
ويبلغ هذا النموذج ذروته حين تطلق يد الأدوات المحلية ــ وعلى رأسها إسرائيل ــ لممارسة أقصى درجات العنف والتمييز والضم، تحت حماية أمريكية لا تعترف بأى خطوط حمراء.
قصف متواصل، حصار خانق، تجويع ممنهج، وإغلاق تام لأبواب الحياة. ثم جاءت الفصول الأشد قسوة حين تحولت طرود الإغاثة إلى «فخاخ موت»: طائرات تسقط المساعدات فى مناطق مكشوفة، فتندفع الحشود الجائعة نحوها، لتجد نفسها فى مرمى الرصاص.
• • •
كان هناك دوما حرص على رش السكر فوق السم، وعلى صناعة سرديات تقنع أو تخدر. لكن مع «الترامبية»، سقطت الأقنعة دفعة واحدة؛ لم يعد هناك حرص على التجميل، ولا رغبة فى التبرير.
دمجت إمبريالية ترامب الخطاب السياسى مع الممارسة الفعلية فى نبرة واحدة صريحة، لا تعرف التخفيف ولا الالتفاف، بل تصرح بما تريد وتنفذ من دون مواربة.
إمبريالية ترامب تصرح بما تريده، وتنفذه علنًا، من دون اعتبار لصورة واشنطن فى عواصم العالم، أو لمكانتها فى المؤسسات الدولية، أو حتى لمواقف حلفائها التقليديين. المهم هو تحقيق المصالح الفورية، بأقصى قدر من المكاسب، وأدنى قدر من القيود، وكأن السياسة تحولت إلى صفقة تجارية لا تعترف إلا بالربح المباشر.
صارت المصالح الاقتصادية المحرك الأعلى صوتًا، ولم تعد تخفى خلف شعارات كبرى كالحرية أو الديمقراطية، بل تطرح كما هى: مصالح مباشرة، بلا تزويق. وتحولت التحالفات الدولية إلى صفقات لحظية، تدار بمنطق الربح والخسارة، من دون أى التزام استراتيجى طويل الأمد.
• • •
من بين أكثر الآليات فتكا فى «الترامبية»، تبرز سياسة «الحدود القصوى» كمنهج ثابت فى إدارة الملفات الدولية، سواء فى الحرب أو العقوبات أو الضغط الدبلوماسى. لا مكان للحلول الوسط، ولا اعتبار للتدرج أو المساومة، فكلها أدوات تكتيكية موقتة تستخدم ثم تستنفد.
هذا النهج يخلق بيئة دولية تسودها الفوضى، تتراجع فيها القدرة على التنبؤ، ويصبح التصعيد هو القاعدة، لا الاستثناء. فى هذا المناخ، يتحول الردع من أداة دفاعية إلى فعل هجومى استباقى، وتغدو كل أزمة فرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة، لا وفق القانون أو التوافق، بل وفق ميزان القوة اللحظى؛ حيث تعاد صياغة الشرعية بما يخدم مصلحة القوة المهيمنة فى تلك اللحظة تحديدًا.
النموذج الإسرائيلى يقدم تطبيقًا حيًا لكل خصائص الترامبية، حيث يتحرك «نتنياهو» فى ظل «ترامب» بحرية مطلقة، مطمئنًا إلى أن الغطاء الأمريكى لا يقتصر على الدعم السياسى والعسكرى، بل يشمل إطلاق العنان لكل ما كان فى الماضى محرمًا أو محسوب العواقب.
لم تعد غزة مجرد قضية محلية أو صراع إقليمى، بل تحولت إلى النموذج الأكثر وضوحًا لطريقة عمل الترامبية فى العالم: الدعم غير المشروط لإسرائيل، السماح باستخدام أسلحة محرمة، ودرجات عنف غير مسبوقة، وتوفير الغطاء السياسى لجرائم موثقة، هذه ليست قرارات عابرة، بل إعلانا صريحا أن القيم والقوانين يمكن تعليقها أو إلغاؤها متى تعارضت مع مخططات، بل وشطط القوة المهيمنة.
غزة كشفت وجه الترامبية المتوحشة بلا رتوش، وأوكرانيا هى الصدى الذى يتردد فى فضاء دولى يتشكل على أنقاض القانون. ما جرى هناك، وما يجرى هنا، ليسا سوى إعلان عن إعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس القوة، وتستبدل فيه المعايير بمنطق الهيمنة وحدها كمرجعية عمياء.
محمد حماد
موقع عروبة 22