الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 7:49 م القاهرة القاهرة 19.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

فقدان الثقة فى الدولة العربية

نشر فى : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 9:40 م
بعد استقلال كل الأقطار العربية وخروجها من تحت عباءة الاستعمار الغربى، ومن ثم ولادة الدولة الوطنية الحديثة، آمن الإنسان العربى بتلك الدولة وعبر عن حبه وولائه للوطن بشتى الصور. لقد تولّد ذلك الإيمان ونبع ذلك الحب من اعتقاد راسخ باستطاعة تلك الدولة الفتية أن تقوم على الأقل بمهام أساسية ثلاث: أولا المحافظة على استقلال وحرية الوطن، وعدم السماح بعودة الاستعمار فى أي شكل كان، وثانيا القيام بمسئوليات الرعاية الاجتماعية فى حقول التعليم والصحة والإسكان والتوظيف، والتأكُد من حصول المواطن على نصيبه العادل من ثروة الوطن بما فى ذلك دخل شهرى معقول كاف له ولعائلته، وثالثا المحافظة على الأمان والسلم الأهلى والتعددية المجتمعية من خلال استعمال القوة الشرعية القانونية والمساواة فى المواطنة.
وكان المواطن العربى على استعداد أن يغض الطرف عن كثير من حقوقه ومطالبه الأخرى، على الأقل مؤقتا، إذا تأكد من قيام سلطات الدولة بتلك المهام الثلاث بكفاءة وعدالة قانونية وتساوى فى الفرص إلى أبعد الحدود الممكنة.
ولعل من أبرز وأخطر المطالب التى قبل المواطنون بتأجيلها عن طيب خاطر كان مطلب الديموقراطية السياسية، كمبادئ وكوسائل لإدارة دفة الحكم من جهة وتنظيم المجتمع المدنى من جهة أخرى.
كان واضحا منذ البداية أن تحقيق تلك المطالب الثلاثة الكبرى فى واقع الإنسان العربى اليومى يتطلب، على الأقل، عمليات إصلاحية كبرى، إن لم تكن فى شكل تغييرات ثورية جذرية، كما طالب بها البعض.
***
لكن مرُت السنون والعقود لتنكشف الحقيقة الصادمة التى يراها المواطن العربى اليوم جلية أمامه:
فشل الغالبية الساحقة من الدول العربية فى حماية استقلالها الوطنى فى المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، بعد أن عادت الجيوش ومنحت التسهيلات وعقدت المعاهدات وهيمنت عواصم الخارج على ما يجرى فى الداخل.
وفشل الغالبية الساحقة من بناء تنمية إنسانية مستدامة خصوصا بعد أن أصبح القرار الاقتصادى العربى تابعا لقوى الاقتصاد العولمى، وبعد أن تراجعت خدمات الرعاية الاجتماعية العامة لصالح الخدمات الخاصة الجشعة.
وفشل الغالبية الساحقة فى المحافظة على سلمية التعددية الاجتماعية وأمن المواطن العادى، وذلك بعد أن دخلت المجتمعات العربية فى صراعات طائفية مجنونة، وبعد أن صعدت البربرية الجهادية الإسلامية الإرهابية بتواطؤ خارجى مع الداخل لتنشر فى طول وعرض بلاد العرب الرعب والممارسات المتوحشة باسم قراءات متخلفة متزمتة كاذبة لدين الرحمة والقسط والميزان والأخوة البشرية.
اليوم تواجه الدولة العربية الحديثة أكبر تحدٍ أمامها: تحدى إرجاع ثقة المواطن العربى فى قدراتها على حمل المسئوليات المناطة بها، خصوصا بعد أن فشلت محاولاته الأخيرة عبر السنوات السبع الماضية، ليكون له دور مشارك فاعل فى حمل تلك المسئوليات وذلك من خلال الانتقال من النظام الاستبدادى الفاسد إلى نظام ديموقراطى سياسى اقتصادى عادل.
***
هنا نحتاج أن نطرح هذا السؤال:
هل الأنظمة السياسية العربية تعى خطورة ومعانى ونتائج ظاهرة فقدان ثقة المواطن فى الدولة التى ينتمى إليها؟ هل تعى أن وصول المواطنين إلى تلك الحالة النفسية – الشعورية – العقلية من الضياع ومن فقدان المرجعية الوطنية سيعنى فتح صندوق بندورا الشهير المملوء بالشياطين والأشباح وكل أنواع الشرور؟
هل تعى أن المواطن سيتجه إلى أية جهة خارجية أو داخلية تعده، سواء بصدق أو بكذب، بقدرتها على أن تحل محل الدولة فى توفير متطلباته الحياتية الضرورية؟ وعند ذاك من يلوم المواطن إذا استجار بالقوى الدينية أو المذهبية أو القبلية أو العرقية بدلا من سلطات دولته؟ بل من سيلومه إذا توجه لكل أنواع القوى الخارجية لمساعدته أو حمايته أو إغرائه ليخدم أهدافها السياسية والاقتصادية الإمبريالية أو لينخرط فى ألاعيب ومؤامرات أجهزة استخباراتها المتعددة؟
وإذا لم يفعل المواطن أيًا من تلك الحماقات ألن ينكفئ على ذاته ليبالغ إلى حدود الهوس فى ممارسة التخلُص من كل التزاماته تجاه الدولة والمجتمع، وبعده فى ممارسة حريته واستقلاله الذاتى، حتى ولو قادت تلك الممارسات إلى المجون الاجتماعى، وسقوط الأخلاق العامة، وانتشار الفساد الذممى؟ ولن يحتاج المواطن العادى إلى أن يمعن فكره ويشحذ همته ليصل إلى ذلك الانفلات الذاتى المجنون. إذ إنه سيجد معينه فيما تقدمه الثقافة العولمية من سلعنة متزايدة نهمة لكل شيء، كما هو الحال الآن فى مجالات الرياضة والفنون والموسيقى والعلاقات الأسرية والاستهلاك النهم لكل المغريات المادية من غذاء وشراب ولباس ومخدرات.
ليس هنا مجال الدخول فى تفاصيل ما يجب أن تفعله الدولة العربية لاسترجاع ثقة المواطن بها وبقدراتها. فهذا موضوع من صميم مسئوليات جهات الفكر والبحوث وشتى العلوم. وهو أيضا من صميم مسئوليات المؤسسات السياسية فى المجتمعات المدنية التى آن لها أن تخرج من حالة السُبات الفكرى السياسى الذى تعيشه لتتناغم مع حالات التغيير الكبرى التى تعيشها مجتمعات بلاد العرب.
إن الهدف هو جلب انتباه أنظمة الحكم العربية إلى وجود وتصاعد وتعقد ظاهرة عدم الثقة تلك، وإلى ضرورة القيام بمسئولياتها السياسية والأخلاقية فى معالجة تلك الظاهرة، من خلال معالجة أسبابها.
لقد وصلنا إلى مرحلة: إما استرجاع الثقة فى الدولة العربية الحديثة أو مواجهة الجحيم بشياطينه وأشباحه وحرائقه.

 

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات