السبت 18 أغسطس 2018 7:50 م القاهرة القاهرة 31°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

مصر 2018.. خطر إلغاء التعددية وغياب السياسة

نشر فى : الجمعة 9 فبراير 2018 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 9 فبراير 2018 - 9:30 م

كثيرة هى الأمور التى تدلل فى مصر اليوم على رفض الحكم إعادة شيء من التعددية إلى الحياة السياسية مثلما تقطع بهيمنة النهج الأمنى على تعامل رئيس الجمهورية ومساعديه القريبين والمؤسسات والأجهزة النافذة داخل حكومته مع المطالبين بالتحول الديمقراطى، من إخلاء الانتخابات الرئاسية ٢٠١٨ من مرشحين محتملين قادرين على منافسة «الرئيس المرشح» إلى الملاحقة القانونية لبعض القيادات السياسية والشخصيات العامة التى لم تفعل حين أعلنت عزمها مقاطعة الانتخابات الرئاسية غير الممارسة السلمية للتعبير الحر عن الرأى.

***

إلغاء التعددية وطغيان النهج الأمنى هما معولان رئيسيان يستخدمهما الحكم للسيطرة على الدولة وضبط المجتمع وإخضاع المواطن، وهما أيضا مصدر أزمته الأخلاقية والمجتمعية. كلاهما يرتب التوسع المطرد فى العصف بسيادة القانون، وفى توظيف الأدوات القمعية، وفى تشويه الوعى الجمعى عبر عمليات غسل الأدمغة التى تنفذها وسائل الإعلام. إلغاء التعددية وطغيان النهج الأمنى يورطان الحكم فى رفض التداول الحر للحقائق والمعلومات لكيلا يمتلك الناس من المعرفة ما قد يساعدهم على مقاومة تشويه الوعى ومواجهة إعلام غسل الأدمغة، ويورطان المؤسسات والأجهزة النافذة فى اصطناع طوائف من المصنفين زيفا كأعداء وخونة ومتآمرين وفى إلصاق اتهامات متنوعة بهم من نشر الفوضى إلى ضرب الاستقرار.

إلغاء التعددية وطغيان النهج الأمنى يصطنعان مواطنا خائفا يبتعد عن الاهتمام بالشأن العام، ويمتنع عن طلب الحقيقة والمعلومة، ويتنازل عن الحق المشروع فى معرفة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد. يصطنع الحكم ذلك المواطن الخائف، ويجبره بالأدوات القمعية على تجاهل المظالم والانتهاكات، ويثنيه عن الدفاع عن حقوقه فى الكرامة والحرية والمساواة التى كفلها الدستور. ومن الخوف من الحكم إلى استدخال عقيدة الحكم الرافضة للديمقراطية والمؤيدة لغيابها يقطع المواطن المحاصر بفعل إلغاء التعددية وطغيان النهج الأمنى مسافة ليست بالبعيدة. يصير المواطن المصرى مقتنعا بحضور الأعداء والخونة والمتآمرين فى جميع قطاعات المجتمع، ويقبل المقايضة السلطوية التى تساومه عارضة للأمن والخبز نظير التنازل عن الحق والحرية.

***

إلغاء التعددية وطغيان النهج الأمنى يدفعان الحكم إلى تبنى العديد من السياسات التى تهدد تماسك الدولة واستقرار المجتمع على نحو جذرى. من جهة، يحتكر الحكم الحق الحصرى لتعريف مفاهيم المصلحة الوطنية والأمن القومى ويخلع على ذاته فقط عبء الاضطلاع بمهمة الدفاع المقدس عن البلاد. من جهة ثانية، يسفه الحكم السياسة باختزالها فى تكالب النخب المدنية على المناصب التنفيذية والإدارية والبرلمانية وفى «الكلام من أجل الكلام»، ثم بنعت المدنيين زيفا بالعجز عن الدفاع عن البلاد وحماية المصلحة الوطنية لكونهم يغلبون الحسابات الخاصة والضيقة. من جهة ثالثة، يعادى الحكم ومعه وسائل إعلام غسل الأدمغة الأصوات الحرة المطالبة بالتحول الديمقراطى ومنظمات المجتمع المدنى المستقلة التى تدافع عن الحقوق والحريات، ويعمل على إبعاد الناس عن آرائهم والحيلولة دون تبلور ثقة شعبية فى إمكانية أن تكون أمور كالتحول الديمقراطى وإقرار حقوق الإنسان ورفع المظالم هى السبيل لحماية المصلحة الوطنية. ومن العداء إلى استخدام أدوات التعقب القانونى والقمع الأمنى لفرض حصار التهجير على أصوات الحرية وحصار الإلغاء على المجتمع المدنى يقطع الحكم مسافة هى الأخرى ليست بالبعيدة.

من جهة رابعة، يتنصل الحكم من ضمانات سيادة القانون تحت يافطات «الحرب على الإرهاب» و«دحر المؤامرات» التى صيغت تذرعا بها قوانين وتعديلات قانونية إما تتناقض شموليا مع ضمانات العدل والحق والحرية أو تتسم بجوهر وحيد هو القمع والتعقب والتهديد المستمر للمواطن غير الممتثل لطاعة الحكم والحاكم ولمنظمات المجتمع المدنى المستقلة ولمجموعات المعارضة المطالبة بالديمقراطية. لا أشكك فى شرعية الحرب على الإرهاب التى تواجه بها قوات الجيش والشرطة عصابات إجرامية (داعش ومن هم على شاكلتها) والتى يسقط فى سياقها شهداء ومصابون يضحون بحقهم هم فى الحياة لكى ننعم نحن بالأمن، ولا أستبعد وجود مؤامرات لقوى خارجية تبحث عن مداخل للعبث بالمصلحة الوطنية المصرية وللنيل من تماسك الدولة واستقرار المجتمع. لا أفعل ذلك أبدا، غير أن التنصل من ضمانات سيادة القانون وما يلحق به من مظالم وانتهاكات متراكمة يحد كثيرا من شرعية مؤسسات الدولة ويضعف مصداقيتها ويهدد من ثم تماسكها، كما أنه يضع استقرار المجتمع فى مرمى نيران الغضب التى حتما تخرج عن ضحايا الظلم والانتهاك.

ليس فى إلغاء التعددية ولا فى طغيان النهج الأمنى سوى ما يقوض المصلحة الوطنية المصرية، ويعرض الدولة لخطر الهشاشة وغياب الفاعلية والمجتمع لخطر تراجع السلم الأهلى والمواطن إما لخطر العزوف الكامل عن الشأن العام أو خطر التورط فى احتفاء مريض بالقمع الرسمى.

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات