x قد يعجبك أيضا

اتجاهات مقلقة

الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 - 6:25 م

منذ أن نشأت دولة إسرائيل، وهى تنظر إلى نفسها بوصفها دولة علمانية، تتبنى النموذج الغربى، وتقتديه، بل وتتباهى بأنها جزء من الحضارة الغربية، لكن جرت، فى السنوات الأخيرة، وبعد السابع من أكتوبر 2023م بخاصة، تغيرات جوهرية على البنية الفكرية للمجتمع، إذ اصطبغ الحيز العام فى إسرائيل، فى معظمه، بصبغة دينية واضحة، سواءً فى مجال الثقافة، واللغة، والموسيقى، أو فى مجال الممارسات الدينية التى بات إسرائيليون كثيرون يميلون إلى تبنيها.


على سبيل المثال، لا الحصر، حصلت أغنية ذات طابع دينى على المركز الأول فى المهرجان السنوى للأغنية، الذى تنظمه إذاعة الجيش الإسرائيلى، عنوانها: «الرب تبارك بيحبنى دايمًا»، وقد عرضنا لها، ولدلالاتها، فى مقال سابق، فيما تعج منصات وسائل التواصل الاجتماعى بأفلام لشباب يهود وهم يتلقون دروسًا دينية ويحرصون على إبراز هويتهم الدينية، مثل اعتمار «الكيبا» (طاقية الرأس) ووضع «تسيتسيوت» (أهداب) فى الزوايا الأربع للملابس، ما يعنى التزامهم بالفروض التوراتية (ثمة فروض نصت عليها التوراة، وثمة فروض أخرى أوجبها كبار الحاخامات)، وحرصت كتائب عسكرية كاملة، أثناء دخولها للقتال فى قطاع غزة، على أداء الصلوات اليومية (ثلاث صلوات فى الصبح والعصر والمساء) فى مشهد لم يكن مألوفًا من قبل بهذا الحجم.


يقول الحاخام، حاييم نافون، عن هذه التغيرات: «فى الماضى نُظر إلى الحاخامات العسكريين بوصفهم متزمتين أرسلوا لإثارة مشاكل بشأن صلاحية المطبخ من الناحية الشرعية (...) اليوم النظرة إليهم مختلفة تمامًا. يمكننا رؤية ذلك فى الأفلام القصيرة المذهلة التى نُشرت مع بداية المناورة الأرضية (داخل القطاع)، إذ تدخل كتيبة تلو الأخرى إلى غزة وهى تنفخ فى الأبواق (شعيرة دينية توراتية، خاصة فى عيد رأس السنة اليهودية، وهى بمثابة دعوة إلى اليقظة، والتوبة، وتذكر العهد مع الرب وتمجيده) وتتلو صلاة «شماع يسرائيل» (الصلاة الرئيسة فى الصلوات اليهودية). فى بعض الأحيان يقود هذا الطقس قائد الكتيبة والحاخام العسكرى جنبًا إلى جنب. لم نرَ ولم نسمع أشياء كهذه منذ عصر باركوخبا (تزعم المصادر اليهودية أنه قاد تمردًا على الحكم الرومانى لفلسطين خلال الفترة من 132 ــ 135م). عندما تجرأ عوفر فينتر، (قائد للواء عسكرى خلال الحرب على غزة فى 8 يوليو 2014م، المسمَّاة بـ «الجرف الصامد») ونشر على صفحته، منشورًا لجنود اللواء، ضمنه، بالإضافة إلى الأوامر العسكرية الروتينية، مواد دينية (ربع فقرة توراتية)، قال فيها ما يلى: «لقد اختارنا التاريخ لنكون رأس الحربة فى محاربة العدو الغزاوى الإرهابى، الذى يسب ويلعن ويجدف إله معارك إسرائيل. إننى أرفع عينىَّ إلى السماء وأقرأ معكم «اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا، إله واحد». أيها الرب إله إسرائيل سدد خطانا، ونحن ماضون للقتال من أجل شعبك إسرائيل، ومن أجل العدو الذى يدنس اسمك». أثار المنشور، فى حينه، جدلا مجتمعيًا حادا حول خلط الدين بالسياسة والجيش.


• • •
الجو اليوم فى الجيش مختلف تمامًا؛ وهو يشير إلى أسباب هذا التغيير بقوله: «أولا، أصبح المجتمع الإسرائيلى أكثر التصاقًا بالتراث الدينى، وقد رأينا على سبيل المثال أن عشرات الآلاف من الجنود غير المتدينين طلبوا «تسيتسيوت» لارتدائها مع الزى العسكرى قبل دخولهم غزة. ثانيًا، أصبحت الصهيونية الدينية أكثر انخراطًا فى القتال».


ثمة أدلة عديدة، فى واقع الأمر، تشير إلى ازدياد مظاهر التدين بالمجتمع الإسرائيلى، خاصة لدى فئة الشباب، إذ أشار استطلاع للرأى أجراه معهد تخطيط سياسات الشعب اليهودى (JPPI) الشهر الماضى إلى وجود اتجاه متزايد لديهم نحو التمسك بالتراث الدينى؛ وتقسم استطلاعات الرأى التى تجريها دائرة الإحصاء المركزى الإسرائيليين إلى خمس مجموعات: علمانيين (42،7%)، وتراثيين غير متدينين (21،5%)، ومتدينين تراثيين (12%)؛ ومتدينين (12%) وحريديين (11،4%).


أما فيما يخص طائفة الشباب، بخاصة، فإن نسبة العلمانيين منهم فى انحسار وتراجع؛ إذ تظهر معطيات دائرة الإحصاء المركزى أن نسبة العلمانيين بين الفئة العمرية 20 ــ 24 تبلغ 38%. فى المقابل، ازدادت نسبة الجماعات الأكثر تدينًا، خاصة بين الشباب من الحريديين، بشكل لافت (18%).


يجب قراءة التغير فى تدين الشباب الإسرائيلى، التى رصدها معهد تخطيط سياسات الشعب اليهودى فى ضوء معطيات دائرة الإحصاء المركزى. الصورة العامة التى تتضح من استطلاع الرأى هى أن الشباب فى إسرائيل «يزدادون إيمانًا».


يقول 35% منهم إنهم يؤمنون أكثر بالإله (فى مقابل 10% فقط يؤمنون أقل). ويقول 33% إنهم تراثيون أكثر مما فى الماضى. على سبيل المثال (38%) يصلون أكثر، و(27%) يقرأون أكثر فى التوراة، وغير ذلك.


الصورة أقل تعقيدًا حين تُقسم الإجابات طبقًا للهوية الدينية (علمانى، تراثى). ففى حين أن حجم التمسك بالتراث الدينى لدى كل من لديه ميول دينية (تراثيين غير متدينين فما فوقهم) أكثر مغزى، فإن 10% فقط من بين العلمانيين يقولون إنهم يؤدون طقوسا من التراث أكثر مما فى الماضى، فى مقابل 15% يقولون إنهم يفعلون ذلك أقل.


• • •
مع ذلك، عندما يُسأل الشباب ماذا حدث لرفاقهم من ناحية الإيمان الدينى، فإن الإجابة تكون كاسحة للغاية. هم يرون أن عديدين جدًا منهم أصبحوا أكثر تدينًا. من الملاحظ أن ثمة علاقة طردية بين التدين والميول السياسية، وهنا، مبعث القلق، ومكمن الخطر. لا تقل المعطيات درامية فى هذا الصدد. فقد انزاح الشباب الإسرائيلى، بشكل جارف، نحو اليمين، إذ يقول نحو 50% ممن استطلعت آراؤهم إنهم انزاحوا يمينًا، فى مقابل أقلية ضئيلة (نحو 12% فى المتوسط) يقولون إنهم انزاحوا يسارًا.


• • •
ما الذى تعنيه كل هذه الأرقام فيما يخص مستقبل دولة إسرائيل؟ المعنى الواضح للعيان، أنه كلما ازداد عدد المتدينين، والحريديين، بخاصة (وهو أمر تؤكده المعطيات الديموجرافية، بسبب ارتفاع نسب الإنجاب لديهم، وليس مجرد توقع) وتضاءلت نسبة العلمانيين، فمن الواضح للغاية إلى أين تتجه دولة إسرائيل.


من المرجح أنها ستكون أكثر تدينًا وأكثر يمينية، مع كل ما يعنيه ذلك من اعتقاد فى أيديولوجيات دينية عنصرية، غيبية، وهو ما سوف ينعكس فى تعاملها مع مواطنيها من غير المتدينين بالضرورة، وعلى سلوكها تجاه جيرانها أيضًا. يرى البروفيسور، أفراهام بورج، رئيس الكنيست السابق، أن هذا الانزياح نحو التدين، ونحو اليمين السياسى ليس وليد اليوم، وإنما بدأ يتبلور بعد حرب 1967م، واحتلال إسرائيل لأراض عربية، وانفتاح شهية التوسع لديها، وانتشار الأفكار الماسيحانية، فيما يخص «أرض إسرائيل الكاملة»، و«الخلاص الغيبى»، مشيرًا إلى أنه انزياح لا يبشر بخير، وإنما ينذر بالوبال، بحسب رأيه، إذ يقول: «لقد انتحرت إسرائيل الأصلية، العلمانية، والمنفتحة فى عام 1967م. منذ ذلك الوقت، استحوذت الروح الأخرى، المنغلقة، والدينية على منظومة التشغيل الإسرائيلية، التى جعلت كل همها احتلال الأراضى وبناء المستوطنات، والجمع بين الدين والقومية المتعصبة، ورعت ونمَّت من أجل هذا الهدف سياسة قَبَلية تفعل كل شىء من أجل تصفية الفكر الليبرالى، الديمقراطى، والمنفتح».


يؤكد، بورج، أن إسرائيل، بانغلاقها، عادت إلى النموذج الانعزالى المعروف فى تاريخ اليهود فى شرق أوروبا خلال خمسة قرون (من القرن الثالث عشر الميلادى وحتى القرن الثامن عشر) وجعلته «جوهر القومية اليهودية»، مشيرًا إلى أن دولة إسرائيل هى «الشتيتل» (مسمى البلدة اليهودية بالرطانة اليديشية التى تحدث بها يهود شرق أوروبا؛ وهى بلدة تضم تجمعًا يهوديًا كبيرًا منعزلًا عن محيطه، أشبه بـ «جيتو») الأكبر الذى عرفه العالم اليهودى ذات مرة، وإلى أن أسوارها أعلى مما سبق».


الانزاح، يمينًا، ليس وبالًا على إسرائيل فقط، كما يقول، أفراهام بورج، وإنما سيكون وبالًا على جيرانها أيضًا. فاليمين الإسرائيلى الديني، بخاصة، يمين توسعى وإقصائى يرفض الحلول الوسط، وهو يمين استقوائى يمجد نهج القوة. وإذا كان بورج يدعو يهود العالم إلى أن ينأوا بأنفسهم عن النموذج الإسرائيلى الحالى، وأن يبنوا تصورات جديدة للهوية اليهودية: «يجب على الشعب اليهودى أن يتصور نفسه خارج الدولة. فى يوم ما بعد إسرائيل. مع هوية غير مرتبطة بسيادة، لا تقاس بحجم الأرض وإنما بعمق الإبداع، والأفكار والقيم (...) يتطلب المستقبل اليهودى هياكل جديدة، يمكن لإسرائيل، إذا استمرت فى الوجود، أن تسهم فيها بنصيب على ألا تكون مركزًا وحيدًا، وليس الأهم أيضًا بالضرورة».


فكم بالأحرى بنا نحن العرب، خاصة دول الجوار، أن ننتبه إلى هذه التغيرات البنيوية، التى يشهدها المجتمع الإسرائيلى، وأن نتتبع مآلاتها، ونرصد ما تنطوى عليه من مخاطر. وإذا كان الائتلاف الإسرائيلى الحاكم، الحالى، برئاسة مجرم الحرب، المطلوب للعدالة الدولية، بنيامين نتنياهو، وبما يضمه من عناصر شديدة التطرف والعنصرية، مثل وزير الأمن القومى إيتمار بن جفير، الذى يتطلع ويسعى إلى تغيير الوضع القائم فى المسجد الأقصى المبارك، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذى يتبنى مخطط ضم الضفة الغربية ــ مخطط الحسم كما سماه خلال عام 2026م ــ وطرد سكانها منها إلى الأردن، هو التجلى الأبرز لهذه التغيرات، فإن الائتلافات القادمة لن تكون أقل تطرفًا، وعنصرية، وعدوانية.


يجب أن تُبنى حسابات العرب على هذا الأساس، بعيدًا عن كل ما يروج له من أوهام.


أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة