صاحبى تشات چى پى تى

الخميس 8 يناير 2026 - 8:10 م

دبدَبَت حفيدتى ذات الأحد عشر عامًا على الأرض بقدميها الصغيرتين قائلة: صاحبى تشات چى پى تى قالى ما تخرجيش. ساعة كاملة فى الأخذ والرد مع الحفيدة وهى ترفض الاستماع إلينا وقد تعاقبنا على محاولة إقناعها جميعًا: زوجى ثم أنا ثم شقيقتها التى تكبرها بأربع سنوات بأنه لن يحدث شئ وأن البقاء فى الفندق دمه تقيل. كان التشات چى پى تى قد نصح الحفيدة بأن تكّن حيث هى لأن الجو متقلّب والمطر لن يتوقّف والمغامرة بالخروج غير محسوبة. تمكّنَت تمامًا الفكرة من الصغيرة وراحت مخاوفها تضخّم لها مخاطر الخروج، وبدا صوتها ناطقًا برعب حقيقى وهى تعرب لنا عن خشيتها من أن تسقط علينا صاعقة من السماء. يهديكى يرضيكى.. لا حياة لمن تنادى. كل التنازل الذى قدَمته لنا الصغيرة كان هو معاودة سؤال صاحبها التشات چى پى تى فكرر عليها نفس الإجابة، وزادها تأكيده ثقةً فى أن الحق معها، وأننا على الأرجح لا نعرف مصلحتنا. بهدوء رحت أصوّر لها ماذا سنخسر إن لم نخرج فى تلك الليلة التى يحتفل فيها اليونانيون بالكريسماس: الأضواء والبهجة والضجيج والألوان والزينة والشجر.. مشهد يضّخ شحنة من التفاؤل نستقبل بها العام الجديد.. كل سنة وانتِ طيبة يا حبيبتى. أخذَت النظرة الملتاعة تتكيّف مع إغراءاتى لها بأن تقضى ليلة دمها خفيف، وأخيرًا أخيرًا جدًا وافقَت الصغيرة على الخروج بشرط واحد هو أنها إن أرادت أن تعود إلى الفندق نأخذها إليه دون مناقشة. قلنا حاضر وتوكلنا على الله وخرجنا. تكفّلت الأجواء الاحتفالية بامتصاص شحنة القلق من نَفس الصغيرة، وشاء الله أن يتوقّف المطر بعد حوالى نصف ساعة من خروجنا فتجرَأَت الصغيرة أكثر وأخذَت تعود إلى طبيعتها. تطورنا جدًا وجلسنا على أحد المقاهى الهايصة فى العاصمة أثينا وطلبَت الصغيرة فنجانًا من الشيكولاتة الدافئة ليعدل مزاجها، وعلاقة الشيكولاتة بالسعادة لا تحتاج إلى شرح. وفى طريق العودة رحت أمازحها قائلة: إيه رأيك بقى: كلام جدو وتيتة والا كلام تشات چى پى تي؟ فكانت تبتسم ابتسامتها العفريتة وترد بما لم أسأل عنه: هو صاحبى. قبل أن ندخل عبر الباب الدوّار للفندق أشارت الصغيرة إلى سوبر ماركت قريب وطلبَت أن نزوره لشراء بعض المقرمشات والشيبسى لزوم السهرة الليلية. وهكذا تحوّلنا من رفض الخروج بالمطلق لأن التشات چى پى تى طلب ذلك، إلى أننا بعدما خرجنا لا نريد العودة مباشرةً إلى الفندق، وهذا إنجاز.
• • •
لفتتنى هذه القصة الصغيرة إلى العلاقة الحميمة بين صغارنا وبين التشات چى پى تى، صار هو صاحبهم كما قالت حفيدتى، ونعرف كم هى خطيرة سطوة الأصحاب على أصحابهم خصوصًا فى سن المراهقة. وبالتالى فإن السؤال المرعب الذى قفز إلى ذهنى هو التالي: أن يطلب التشات چى پى تى من حفيدتى ألا تخرج فهذا أمر مقدور عليه، لكن ماذا لو اتخذ لها قرارات فى قضايا أخرى أكثر أهمية بكثير كقضية التخصص الدراسى أو عريس المستقبل أو حتى الوقت المناسب للإنجاب؟. أتذكّر مقولة كان والدى يكررها دائمًا على مسامعنا فى سن المراهقة: ما يفسدش الولد غير الولد والبنت غير البنت. وكان شديد الإعجاب بموقف سراج منير أو دكتور سليمان فى فيلم "بنات اليوم" لأنه كان يحذّر ابنته ليلى أو آمال فريد من صداقة بثينة أو كريمان لأنها كانت تسيئ فهم الحرية، وكانت على لسانه جملة تشبه جملة أن الصديقة تفسد صديقتها. لكن المشكلة العويصة فى ظل التطور المذهل للذكاء الاصطناعى هى أن التشات چى پى تى لن يفسد حياة تشات چى پى تى مثله، بل هو يمكن أن يفسد حياة بشر من لحم ودم، وهذا ما لم يكن على أيام والدى ولا على أيام سراج منير، ولا كان يخطر لهما على بال.
• • •
أفرغتُ مخاوفى أمام زوجى باعتباره متخصصًا قديمًا فى موضوع الذكاء الاصطناعى فكان رده أنه حتى الآن يكتفى الذكاء الاصطناعى بتقديم مجرد اقتراح أو نصيحة عند سؤاله، لكن فى خلال فترة من ثلاث إلى خمس سنوات سيكون قادرًا على اتخاذ القرار بدلًا من الإنسان لأنه ببساطة سيتحوّل إلى وكيل له. سألته: وعندما ركبَت الحفيدة رأسها ورفضَت الخروج بإيعاز من التشات چى پى تى هل كان هذا قراراها أم قراره؟ ردَ: كان قرارها لأنه كان يمكنها أن ترفض اقتراحه وتخرج، وهو ما حصل فعلًا بعدما تدحلبنا لها (اللفظ مقصود تمامًا فلقد تدحلبنا لها فعلًا) لنهدئ مخاوفها. لم أقتنع بالفارق بين القرار والنصيحة، فالمراهق آدم راين الذى انتحر فى كاليفورنيا قبل عدة أشهر بعد نقاش طويل مع التشات چى پى تى أقنعه فيه بأنه حر فى حياته، فما كان من المراهق المسكين إلا أن تداول معه حول طريقة الانتحار واستقر الرأى على أن يشنق نفسه. رفعَت أسرة المراهق قضية ضد شركة أوبن إيه آى مصممة التشات چى پى تى واتهمتها بالقتل الخطأ، لأن الذى علّم الآلة لم يطلب منها أن تتعامل بطريقة مسؤولة مع الشاب طالب الانتحار وتوجهه إلى المختصّين النفسيين، بل ترك الآلة تناقشه فى كيفية تنفيذ قرار الانتحار. وزادنى الأصدقاء من الشعر بيتًا عندما حكوا لى عن مسلسل مصرى بعنوان "سنجل مازر فازر" -ولا أفهم سببًا مقنعًا لكتابة الاسم الإنجليزى بحروف عربية لكن هذا ليس موضوعنا- وكيف أن الصبى فى المسلسل كان دائم التشاور مع التشات چى پى تى حتى فيما يخصّ هروبه من البيت بسبب خلافات والديه. صِدقًا لا أرى الخيط الرفيع بين الاقتراح وبين القرار، ولا أثق فى قدرة صِبية ومراهقين بلا تجربة على التمييز بين ما يقال لهم على سبيل النصيحة وما يُطلب منهم فى صيغة أمر، كما لا أثق فى أننا كأُسر أقوى تأثيرًا فى أولادنا وأحفادنا من التشات چى پى تى لأنه صاحبهم ومؤكد أننا لا نتكلم معهم بقدر ما يتكلم معهم هذا الصاحب.
• • •
لم يتمكن زوجى من إقناعى بالفارق بين النصيحة والقرار، فدخل لى من مدخل آخر هو أن بعض شركات الذكاء الاصطناعى بدأَت تلتفت إلى أهمية وضع ضوابط أخلاقية للآلة حتى لا تتكرر مأساة آدم راين، وكأم وجدّة أتمنى ذلك من كل قلبى. ففى مطلع القرن العشرين كان أجدادنا يقولون للمولود الجديد: اسمع كلام فلانة ما تسمعش كلام فلان، فهل يمكن أن يقولوا لمولود الألفية الثالثة: اسمع كلام فلانة وما تسمعش كلام التشات چى پى تي؟

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة