x قد يعجبك أيضا

الطاقة فى الأراضى الفلسطينية

الأربعاء 28 يناير 2026 - 7:55 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالًا للكاتب العراقى وليد خدورى، يدعو فيه إلى استغلال التحولات السياسية الراهنة والموارد الطبيعية المتاحة (خاصة الطاقة) كقاعدة أساسية لبناء وتثبيت دعائم الدولة الفلسطينية المنشودة.. نعرض من المقال ما يلى:
على هامش «اجتماعات دافوس»، بادر «مجلس السلام» إلى طرح مشروعات لإعادة إعمار غزة، بعد حرب الإبادة، فطرح جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكى، خطته لإعادة الإعمار على 4 مراحل، دون ذكر التفاصيل.
لقد طرحت حرب غزة الفرصة، أكثر من أى وقت مضى، لإمكان تأسيس الدولة الفلسطينية، رغم رفض بنيامين نتنياهو هذا الاقتراح. طبعا؛ هى ليست أول مرة تُطرَح فيها فكرة الدولة (قطاع غزة، والضفة الغربية والقدس الشرقية) وتُرفض، وربما ليست الأخيرة.. لكن من المهم لفت النظر إلى أن الفكرة قد طُرحت فى الوقت الذى اعترف فيه نحو 80 فى المائة من أقطار الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة للشعب الفلسطينى.
من نافلة القول إن مشروعات الطاقة؛ من الكهرباء والمياه والوقود، أساسية ومن مقومات أى دولة؛ إذ تعتمد عليها إلى حد كبير بقية المشروعات الاقتصادية. وبالنسبة إلى تنمية قطاع غزة، فإن جزءا أساسيا من الدولة الفلسطينية المقترحة يعنى الأخذ فى الحسبان أن مشروعات الطاقة تشكّل أسسها الاقتصادية.
• • •
خلال محاضرة له بـ«مؤسسة الدراسات الفلسطينية» فى بيروت، تعود إلى عام 2014، ذكر الدكتور محمد مصطفى، نائب رئيس الحكومة الفلسطينية رئيس «صندوق الاستثمار الفلسطينى» سابقا، رئيس الوزراء الفلسطينى الحالى، أن «فلسطين تعانى جراء الشح فى الموارد والثروات الطبيعية، لكن يمكن للقليل المتوفر لديها من هذه الموارد أن يشكل رافعة مهمة للاقتصاد الفلسطينى فى المدى القصير. بيد أن سياسات إسرائيل وحرصها الدائم على السيطرة على جميع الموارد الطبيعية الموجودة فى فلسطين، من مياه ونفط وغاز وبوتاس، حالا دون استغلال هذه الموارد حتى الآن. ونظرًا إلى السيطرة الإسرائيلية التامة على كل الموارد الطبيعية، فإن الاقتصاد الفلسطينى بات يعتمد كليًا على الواردات، خصوصًا من إسرائيل، لسد ما أمكن من حاجاته المتعلقة بالنفط والغاز، سواء أكان ذلك للاستعمال المنزلى أم للصناعى؛ إذ تبلغ التكلفة السنوية للواردات النفطية فى فلسطين نحو 1.5 مليار دولار. كما أن إسرائيل تتحكم فى كمية المحروقات الواردة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وسعرها وتوقيت دخولها؛ الأمر الذى جعل أسعار المحروقات فى فلسطين توازى تلك التى فى أغنى مدن العالم، ووضع عائقاً أمام النهوض الاقتصادى الفلسطينى».
وبشأن الغاز الطبيعى، قال مصطفى: «عام 1999 تم اكتشاف ما يزيد على 1.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعى فى المياه الإقليمية الفلسطينية قرابة شواطئ غزة، موزعة على حقلين؛ أحدهما يُدعى (غزة مارين) والآخر (الحقل الحدودى). وقد منحت السلطة الفلسطينية فى حينها الحق الحصرى فى التنقيب عن الغاز إلى تجمّع مكون من شركة (بريتيش غاز) البريطانية و(شركة اتحاد المقاولين) و(صندوق الاستثمار الفلسطينى)، وتتراوح القيمة السوقية الكلية للغاز فى الحقلين بين 6 و8 مليارات دولار، بحسب التقديرات».
نود أن نضيف هنا أنه مثالاً على العقبات المستمرة التى وضعتها إسرائيل أمام تطوير موارد الطاقة الفلسطينية، فقد عرقلت وماطلت إسرائيل لمدة ربع قرن فى اكتشاف الغاز وتطوير الحقل بمياه غزة، مستعملة فى ذلك حججا وأساليب واهية لا تمت بصلة إلى الاتفاق الأساسى بين الطرفين، منها استقطاع جزء من الغاز لمصلحة الشركات الإسرائيلية أو للسوق الداخلية الإسرائيلية، وذلك قبل الاكتشافات الغازية المتعددة فى المياه الإسرائيلية لاحقا.
بالنسبة إلى اكتشاف النفط فى الضفة الغربية، فقد قال مصطفى إن الأعوام الأخيرة «شهدت مؤشرات واضحة على وجود كميات تجارية منه فى الأراضى الفلسطينية. كما يقوم الإسرائيليون منذ سنة 2010 باستخراج كميات تجارية منه من بئر (مجد5) الواقعة بمحاذاة الخط الأخضر، وتحديدا بالقرب من قرية رنتيس شمال غربى مدينة رام الله فى الضفة الغربية، حيث يقدر حجم الإنتاج من هذا الحقل بـ800 برميل يوميا. وتشير الدراسات الزلزالية التى أجريت على موقع (مجد5) إلى إمكان امتداد الحقل، بحيث يصبح الجزء الأكبر من المخزون داخل الضفة الغربية؛ إذ تُبين التقديرات أن أكثر من 60 فى المائة من مخزون (مجد5) يقع بالقرب من قرية رنتيس (داخل الضفة الغربية) بكميات تتراوح بين 30 مليوناً و180 مليون برميل".

من الواضح من محاضرة الدكتور مصطفى أن احتياطى النفط فى الضفة الغربية، والغاز الذى اكتُشف حتى الآن فى بحر غزة، محدود جدا، وأنه بالكاد يكفى الاستهلاك الداخلى فى الأراضى الفلسطينية. لكن من الواضح أيضا أن هناك مجالاً لإمكانية توسيع المخزون التجارى بالمنطقتين فى حال إجراء عمليات استكشاف إضافية؛ إذ إن حفر بئر واحدة فقط فى بحر غزة وأخرى فى الضفة الغربية ليس وافيا بأى حال من الأحوال لتكوين صورة كافية عن حجم أى من الحقلين وإمكانية امتدادهما.
• • •
إن المطلوب فى المرحلة المقبلة دعم السلطة لاستمرار التعامل مع شركات نفطية عربية أو عالمية ذات خبرة واختصاص فى مجالها. لقد رَوّجت وشجعت السلطة الفلسطينية فعلاً على استعمال الطاقة الشمسية فى المناطق العامة (المدارس والمبانى الصحية) فى الضفة الغربية؛ لتزويدها بالتدفئة والإنارة. طبعا؛ هذه وسيلة مكملة وتوفر على المستهلكين كثيرا من الأموال، لكن تبقى هذه الوسيلة بحاجة إلى التوسع وانتشار الاستفادة منها.
المطلوب أكثر من الفلسطينيين، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، خلال المرحلة المقبلة الحرجة، دعم منظمة التحرير الفلسطينية، التى يتوجب عليها أيضا التقيد بقواعدها وقوانينها أمام الرأى العام العالمى؛ بملايينه التى دعمت شعب غزة والقضية الفلسطينية مؤخرا بمظاهرات مليونية، بطريقة وحجم غير مسبوقَين فى دعم النضال الفلسطينى؛ والمحافظة على الاعتراف الذى حصلت عليه المنظمة من نحو 80 فى المائة من الأقطار الأعضاء فى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن النجاح فى السياسة هو اقتناء الفرص، كما أن النجاح فى المناسبات التاريخية هو تنازل الأطراف المعنية بهذا الموقف أو ذاك للحصول على موقف جامع. فدون هذا التحرك هنا أو هناك، يمكن أن تضيع القضية برمتها من أيدى أصحابها مرة أخرى، بما سيعنيه ذلك من ضربة قاضية للدولة الفلسطينية المنشودة. وما الكلام فى «دافوس» إلا بداية تحرك واسع النطاق بشأن غزة.
من الواضح أنه رغم الاحتياطات الطاقوية الضئيلة المتوافرة فى الأراضى الفلسطينية، فإنه من الممكن استعمال هذه الموارد «رافعةً» لاقتصاد جديد فى الدولة المنشودة. والمفروض هنا اقتناص الفرصة المناسبة، قبل أن تحل «حقائق جديدة» على الأرض من الصعب تغييرها ثانية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة