لا تُعد الحملة الإفريقية المتجددة التى تكتسب زخمًا متسارعًا لاستبدال «إسقاط مركاتور»، مجرد نقاش تقنى حول رسم الخرائط؛ بل هى أيضًا مسألة هوية سياسية، وعدالة معرفية، وكرامة قارية. وقد أيد الاتحاد الإفريقى حملة «صححوا الخريطة»؛ وهى دعوة للأمم المتحدة والمجتمع الدولى الأوسع لاستخدام نوع مختلف من خرائط العالم، وقد جمعت الحملة حتى اليوم آلاف التوقيعات.
• • •
ليس بخافٍ أن الخريطة الأكثر شيوعًا هى التى تستخدم «إسقاط مركاتور». وتُعرف إسقاطات الخرائط بأنها الطريقة التى يستخدمها رسامو الخرائط لتحويل الأرض ثلاثية الأبعاد إلى خريطة ثنائية الأبعاد. ولعل ما يثير الاستغراب حقًا أن جزيرة جرينلاند التى أضحت محور جدل سياسى مؤخرًا، تتمتع بمكانة متضخمة فى رسم الخرائط الأوروبية المركزية. فهى تعبير عن أعراض المركزية الذاتية المبالغ فيها لأوروبا والشمال العالمى فى الشئون العالمية وتاريخ البشرية. وفى الخرائط التى تستخدم «إسقاط مركاتور»، تبدو جرينلاند كبيرة مثل حجم إفريقيا، على الرغم من أن إفريقيا فى الواقع أكبر بأربع عشرة مرة من جرينلاند. ويُضخّم هذا الرسم المُسطح مساحة الدول القريبة من القطبين الشمالى والجنوبى، ويُبالغ فى تصوير مساحة أمريكا الشمالية وأوراسيا، بينما يُقلل من مساحة جزء كبير من أمريكا الجنوبية وإفريقيا. وباعتبارها أكبر قارة فى الجنوب العالمى؛ فإن إفريقيا تقع ضحية لهذا التفاوت الجغرافى.
ومن المعلوم أن الخرائط ليست محايدة بالضرورة، فهى لا تخلو من القيم أبدًا؛ إذ تستبطن دومًا نيات وتحيّزات مُصمّميها. فمن خلال إبراز أوروبا وأمريكا الشمالية وجعل إفريقيا تبدو هامشية؛ حملت خريطة «مركاتور» تعبيرات بصرية تُعبر عن الصور النمطية السائدة فى الحقبة الاستعمارية، والتى تؤكد دونية الأفارقة فى سلم الاستعلاء الحضارى الغربى.
ليس من المستغرب أن المثقفين الأفارقة وفى بلاد المهجر يدعون منذ فترة طويلة إلى إنهاء ما وصفوه باستعمار الأوهام المعرفية الأوروبية المركزية. وفى هذا الإطار، شعر الاتحاد الإفريقى بأنه مضطر للانضمام إلى النضال فى رسم الخرائط؛ حيث أيد حملة «تصحيح الخريطة»، واستبدال «إسقاط مركاتور» بـ«إسقاط الأرض المتساوية»، الذى يحافظ على الحجم النسبى الحقيقى لكتل اليابسة.
• • •
فى علم رسم الخرائط، توجد عشرات الإسقاطات التى ينظر كل منها إلى خريطة العالم بطريقة مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن «إسقاط جال ــ بيترز» اُستخدم فى الماضى لتجاوز أخطاء «إسقاط مركاتور». ويمكن توضيح أهم التداعيات المعرفية والسياسية والاقتصادية التى ترتبت على الترويج لأوهام الخرائط الأوروبية بالنسبة لتطور إفريقيا ومكانتها فى النظام الدولى، على النحو التالى:
1- التشوهات الإدراكية والمعرفية: تُظهر التداعيات العملية لتشويه «مركاتور» بوضوح زيف هذا التشويه؛ إذ تبدو جرينلاند، كما ذكرنا آنفًا، وكأنها تساوى إفريقيا، بينما يُظهر «إسقاط الأرض المتساوية» جرينلاند صغيرة جدًا مقارنة بمساحة إفريقيا الحقيقية. وتتيح الأدوات الرقمية الحديثة مثل موقع (TheTrueSize) لأى شخص مقارنة حجم أى دولة أو منطقة بإفريقيا؛ مما يكشف زيف هذا الخطأ الذى يعود إلى قرون عديدة.
وما من شك أن هذه التشويهات تترك آثارًا نفسية على الأجيال المتعاقبة. هب أن طالبًا إفريقيًا يفتح أطلسًا ليجد قارته صغيرة جدًا مقارنة بأيسلندا أو ولاية تكساس الأمريكية. فهذا يعنى أن الأطفال فى إفريقيا وفى جميع أنحاء العالم يفتحون كتبهم المدرسية ويرون قارتهم على غير حجمها الحقيقى. وبهذا الشكل، تُصبح الخرائط غير محايدة، ولم يُقصد لها أن تكون كذلك. إنها تُشكّل طريقة تعلّمنا، وكيف نتصور القوة، وكيف نرى أنفسنا.
2- الآثار السياسية والاقتصادية: إن اختيار الخريطة ليس مجرد مسألة أكاديمية؛ بل هو أساس لكيفية تقييم الدول. فعندما يعتمد صانعو السياسات والمعلمون على خرائط «مركاتور»؛ فإنهم يُرسّخون دون قصد روايات مُشوّهة؛ إذ تبدو إفريقيا صغيرة ونائية؛ مما قد يؤدى إلى تدنى التوقعات بشأن الأسواق أو النفوذ.
وتُظهر الأبحاث أن استراتيجيات التجارة والتنمية تتأثر بمثل هذه التحيزات الجغرافية. فعلى سبيل المثال، قد يُعزز إخفاء وجود إفريقيا على الخريطة الصور النمطية الإعلامية عن التبعية والأزمة، بدلًا من التركيز على الفاعلية والإمكانات الواعدة. إضافة إلى ذلك، فإن رمزية الخريطة ذات بُعد سياسى قوى. لنأخذ المفاوضات التجارية كمثال، قد يجد المسئولون الأفارقة الساعون إلى تحقيق العدالة أنفسهم فى وضع نفسى غير مواتٍ؛ إذا كانت المحافل الدولية تُهيمن عليها فعليًا كتل أرضية غربية ضخمة.
• • •
يُعد دعم الاتحاد الإفريقى لحملة استبدال «إسقاط مركاتور» ذا أهمية بالغة؛ لأنه يُضفى ثقلًا مؤسسيًا على نقد إفريقى قديم لانحياز الخرائط. ففى أغسطس 2025، أيد مسئولو الاتحاد الإفريقى دعوات موجهة للحكومات والمنظمات الدولية لتبنى «إسقاط الأرض المتساوية»؛ وهى خريطة متساوية المساحة مصممة لإظهار القارات بأبعادها الحقيقية. ولا يقتصر موقف الاتحاد الإفريقى على الجانب الجمالى فحسب؛ بل يرتبط بحجة أن الخرائط المشوّهة تُسهم فى تشويه مواقع السلطة العالمية من خلال تصوير إفريقيا أصغر حجمًا وأقل أهمية مما هى عليه فى الواقع.
وقد صاغت منظمات المجتمع المدنى الإفريقية القضية بشكل أكثر وضوحًا، واصفة «إسقاط مركاتور» بأنه «ظلم بصرى» يُعيد إنتاج إرث الاستعمار من خلال تطبيع التقليل من شأن إفريقيا فى النظام العالمى؛ لهذا السبب، تحوّل النقاش حول الخرائط إلى جدل مناهض للاستعمار؛ فهو يسعى إلى تحدى ليس فقط التشويه الجغرافى؛ بل أيضًا النظام الرمزى الذى جعل إفريقيا تاريخيًا فى مرتبة ثانوية.
ونظرًا لأهداف الاتحاد الإفريقى الأوسع، يُعد دعم «إسقاط الأرض المتساوية» الخطوة الأولى فى دفع المجتمع الدولى نحو رؤية العالم بمزيد من الإنصاف، وإعادة صياغة كيفية تقدير العالم لإفريقيا. ويمكن لحشد الدعم الاجتماعى للإسقاط الجديد، من خلال ورش عمل مع التربويين، والجهود الدبلوماسية، والمنتديات مع ناشرى الكتب المدرسية، والصحفيين، والشركاء من الشركات الإفريقية؛ أن يُسهم فى تحويل العالم بعيدًا عن استخدام «إسقاط مركاتور» فى الحياة اليومية. ويشير أدباء وباحثون من أمثال تشينوا أتشيبى وغيره من المثقفين المعاصرين، إلى أن الخرائط تُشكل التاريخ ضمنيًا. وعليه، تصبح عملية تصحيح خريطة إفريقيا هى عملية استعادة معرفية، وجزءًا من تفكيك التصورات الاستعمارية التى قيّدت تطلعات الأفارقة.
• • •
لطالما أقرت الأمم المتحدة والهيئات الدولية ذات الصلة بأنه لا توجد خريطة عالمية واحدة قادرة على تمثيل الشكل والمساحة معًا تمثيلًا كاملًا؛ ولهذا السبب تُستخدم إسقاطات مختلفة لأغراض مختلفة فى رسم الخرائط الرسمى. وعمليًا، هذا يعنى أن «إسقاط مركاتور» ليس معيارًا عالميًا محايدًا؛ بل هو واحد من بين عدة إسقاطات، وأن استمرار هيمنته فى الفصول الدراسية ووسائل الإعلام العامة هو مسألة عرفية وليست ضرورة. وهذا الأمر مهم لإفريقيا؛ لأن المؤسسات العالمية غالبًا ما تعتمد على أُطر بصرية تؤثر فى الدبلوماسية وخطاب التنمية والفهم العام.
لذلك، يجادل دعاة إصلاح الخرائط الأفارقة بأنه على المنظمات الدولية اعتماد إسقاطات بديلة مثل «الأرض المتساوية» فى السياقات التعليمية والتمثيلية؛ تحديدًا لأن الخرائط متساوية المساحة تعكس بشكل أفضل المقياس المكانى الحقيقى للقارة. وتُظهر ممارسات الأمم المتحدة فى رسم الخرائط، إلى جانب الانتقادات الإفريقية لـ«إسقاط مركاتور»، أن اختيار الخريطة ليس بريئًا سياسيًا؛ فالإسقاط المُختار قد يُعزز التسلسلات الهرمية القديمة أو يُسهم فى تصحيحها؛ ومن ثم فإن خريطة أكثر دقة لإفريقيا تُعد أيضًا خريطة أكثر مسئولية من الناحية الأخلاقية؛ لأنها تتجنب تضمين عدم المساواة بصريًا فى الصورة الجغرافية الأكثر شيوعًا فى العالم.
ختامًا، يمكن القول إن الخرائط ليست مجرد صور؛ لكنها قوة. ألم تسهم الخريطة المرسومة على خطوط «مركاتور»، فى تهميش إفريقيا زمنًا طويلًا؟! لكن الأمور تتغير؛ فالأصوات الإفريقية ترسم الآن مسارًا مختلفًا. ومع ذلك، لن يحل استبدال «إسقاط مركاتور» بخريطة متساوية المساحة تتمحور حول إفريقيا جميع المشكلات بشكل سحرى؛ لكنه سيكون بمثابة خطوة عملية قوية فى تحرير المعرفة من الاستعمار، وسيمنح الأطفال الأفارقة الرؤية التى يستحقونها لقارتهم، ويُعيد تشكيل التصورات العالمية، ويُلهم خطابًا أكثر صدقًا حول التجارة والمعونة والجغرافيا السياسية.
حمدى عبدالرحمن
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/5mahn9b6