x قد يعجبك أيضا

مواجهة بحرية فى هُرمز

الإثنين 27 أبريل 2026 - 6:30 م

 

على وقع تعثر المفاوضات، وتعذر إدراك اتفاق، ترجح تقديرات عبرية انقضاء الهدنة، واستئناف الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية ضد إيران. وبموازاة ذلك، تتوالى المؤشرات بشأن انتقال المواجهات من الضربات الجوية عبر الطائرات الحربية، والصواريخ والمسيرات، إلى حرب بحرية، تستهدف تطهير مضيق هرمز من ألغام الحرس الثورى، وتقويض «أسطول البعوض»، وصولًا إلى تشديد الحصار البحرى على موانئ إيران وسواحلها. حيث تتطلع إدارة ترامب إلى «إتمام المهمة»، حال انهيار الهدنة، واستعصاء إبرام صفقة. الأمر الذى يستتبع تحولًا عمليًا من سياسة «الضغط من الداخل»، إلى استراتيجية «التطويق من الخارج»، عبر تحييد قدرة إيران على إعاقة حركة الملاحة. ما يعنى انتقالًا من مرحلة «احتواء التوتر»، إلى «إدارة التصعيد المحدود»، فى أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

 

يرتهن حسم واشنطن حربها البحرية المحتملة، بقدرتها على تدمير البنية العسكرية الإيرانية المرابطة فى المضيق، أو تقليص قدرتها على الرد. ومن ثم، لا تقتصر الخطط الأمريكية، قيد البحث، على توجيه ضربات تقليدية ضد مواقع عسكرية، بل تتجه نحو ما يُعرف فى الأدبيات العسكرية بـ«الاستهداف الديناميكى». أى تنفيذ عمليات نوعية ومستمرة ضد الأصول البحرية الإيرانية المنتشرة فى محيط مضيق هرمز؛ والتى تشكل ركنًا ركينًا لاستراتيجية إعاقة الملاحة الدولية، كمثل: الزوارق الهجومية السريعة الصغيرة، وقوارب زرع الألغام. علاوة على استهداف كبار قادة الحرس الثورى، ضمن ما تصفه واشنطن بمحاولات «تفكيك مراكز القرار المعرقلة» داخل النظام الإيرانى. فى غضون ذلك، وجه ترامب البحرية الأمريكية لتدمير أى قارب يزرع ألغامًا بالمضيق. فى خطوة تضاعف الضغوط على الهدنة الهشة، إثر استمرار التوترات البحرية فى المضيق، جراء تكرار الاحتكاكات بين البحريتين الأمريكية والإيرانية، واحتجاز البحرية الأمريكية ناقلات نفط إيرانية فى المحيط الهندى.

 

يعكس هذا التحول فى التفكير العسكرى الأمريكى إدراكًا لارتباط الحرب البحرية بمستقبل النفوذ على الممرات الاستراتيجية. فحينما تصبح المضائق سلاحًا جيوسياسيًا، بوسع من يستطيع تأمينها تملك مفاتيح الاستقرار العالمى. كما يؤكد قناعة واشنطن بأن تهديد إيران للملاحة بالمضيق، الذى يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، ويمثل ورقة ضغط جيوسياسية، لا يمكن احتواؤه عبر ضربات نوعية بعيدة المدى فقط، بل يتطلب مقاربة أكثر حزمًا.

 

على الجبهة الإيرانية، تجرى الاستعدادات لمواجهة بحرية وشيكة. ومنذ حرب الناقلات إبان ثمانينيات القرن الماضى، وما استتبعته من صدام بحرى أمريكى ــ إيرانى، فيما عُرف وقتذاك بعملية «فرس النبى»، انبرت إيران فى تبنى تكتيكات المواجهات غير المتكافئة عبر تطوير قدرات بحرية عسكرية لامتماثلة. واليوم، أضحت الزوارق السريعة والصغيرة تشكل العمود الفقرى لاستراتيجية إيران البحرية. فبفضل سرعاتها الفائقة، وقدراتها الهائلة على التخفى والتعمية، يمكن لهذه الزوارق تنفيذ عمليات خاطفة ناجحة، دون أن يتم اكتشافها. ما يعد جزءًا من نظام تهديدات متعدد الطبقات. ناهيك عن الألغام متعددة الأنواع، والصواريخ التى تطلق من الساحل عبر المسيّرات. فضلًا عن التشويش الإلكترونى، الذى يفاقم أجواء عدم اليقين، ويربك عملية اتخاذ القرار لدى العدو.

 

خلافًا لمزاعم أمريكية وإسرائيلية، يلف الغموض تأثير عمليتهما المشتركة على البنية التحتية العسكرية الإيرانية. فقد أفاد مسئولون أمريكيون بأن قدرات الجيش الإيرانى تفوق ما أعلنه البيت الأبيض والبنتاجون. وأن نحو نصف مخزون إيران من الصواريخ الباليستية وأنظمة إطلاقها، كان لا يزال سليمًا عند إعلان وقف إطلاق النار أوائل الشهر الجارى. ونحو 60% من القوات البحرية التابعة للحرس الثورى لا تزال تعمل. فبينما أكدت تقييمات أضرار الحرب تدمير جانب ضخم من الأسطول الإيرانى التقليدى، لفتت إلى أن الذراع البحرية للحرس الثورى، المصممة لحروب غير متماثلة، والمجهزة بالعديد من السفن الصغيرة، كالزوارق السريعة والمركبات البحرية المسيّرة، القادرة على تنفيذ هجمات مباغتة، لا تزال سليمة جزئيًا، وهى التى تعرقل حركة سفن النفط فى مضيق هرمز حاليًا. فيما تبقى نسبة هائلة من صواريخ الدفاع الساحلى الإيرانية فعالة. ما يجعل أية محاولة أمريكية لفرض سيطرة بحرية كاملة على المضيق معقدة ومكلفة.

 

رغم محاولاتها إغلاق مضيق هرمز، عبر تلغيمه إبان الحرب مع العراق فى ثمانينيات القرن الماضى؛ يمكن القول إن واشنطن وطهران تجاوزتا الخطوط الحمر وقواعد الاشتباك التقليدية. فبينما أحجمت طهران عن غلق المضيق أثناء حرب يونيو الماضى، مخافة تدويل الحملة العسكرية الأمريكية ــ الإسرائيلية ضدها، لم يتورع الحرس الثورى اليوم عن معاودة تلغيم المضيق. إذ حذر منتصف الشهر الجارى من وجود «منطقة خطرة» مساحتها 1400 كيلومتر مربع فى مياهه. زرع فيها غابة من الألغام، باستخدام زوارق صغيرة، فيما تم نشر بعضها عبر تقنية تحديد المواقع الجغرافية (جى بى إس)، ما يفاقم صعوبة اكتشافها.

 

يتهم الإيرانيون واشنطن بانتهاك وقف إطلاق النار، عبر فرضها حصارًا بحريًا على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية، يعتبرونه «قرصنة بحرية». وترفض طهران فتح المضيق قبل إنهاء ذلك الحصار. وبينما تدعى إحكام سيطرتها على مضيق هرمز، هددت إيران بالرد على مهاجمة البحرية الأمريكية سفنًا تجارية إيرانية، حاولت اختراق الحصار، فى خليج عمان. وتعتقد طهران أن تمديد وقف إطلاق النار «لا يعنى شيئًا»، بقدر ما يشكل مجرد «حيلة أمريكية لكسب الوقت، توطئة لاستهدافها بضربة جديدة مفاجئة». كما يشكك قاليباف فى جدية وقف إطلاق النار، حتى يتم تعليق الحصار.

 

تأبى طهران إلا فرض رسوم على عبور الناقلات بمضيق هرمز، بالعملات المشفرة مثل بيتكوين؛ فيما يعد خطوة التفافية على العقوبات الدولية. إذ تتيح لها هذه الآلية تحصيل عائدات خارج النظام المالى التقليدى، الذى تهيمن عليه واشنطن، وإعادة تشكيل أدوات النفوذ الاقتصادى، والانتقال من «البترودولار» إلى ما يمكن تسميته فى التجارة النفطية الدولية «البتروكوين». الأمر الذى يمثل امتدادًا ماليًا لإعلان إيران سيادتها الفعلية على مضيق هرمز، وهو تحول جذرى فى صياغة حركة التجارة الدولية، من شأنه ترسيخ بدعة غير مسبوقة فى أمن الملاحة العالمى. ولتعزيز مخططها الجيوسياسى، تعول طهران على إمكانية إغلاق الحوثيين الممر الملاحى الحيوى، باب المندب، حال استئناف الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية ضدها. وقد كان الرئيس اليمنى الراحل على عبدالله صالح، بعد حرب 1994، يتباهى بامتلاكه «القنبلة النووية»، المتمثلة فى موقع جيوسياسى فريد، يمنح بلاده قدرة استثنائية على التحكم بأحد أهم الممرات البحرية الملاحية العالمية.

 

قبل قليل، نشرت وكالة الأنباء الإيرانية «تسنيم»، القريبة من الحرس الثورى، تقريرًا بعنوان: «كيف حوّلت إيران مضيق هرمز إلى سلاح تفاوض لا يُهزم؟». فحواه أن الحرب الحالية ضد إيران ولبنان أثبتت أن مضيق هرمز، فى زمن الحرب، أهم من القنبلة النووية. ذلك أن الأخيرة سلاح للردع، بينما هرمز سلاح هجومى ودفاعى فى آن. بدورها، ذكرت صحيفة «واشنطن تايمز» الأمريكية أن إيران نجحت فى تحويل السيطرة على المضيق إلى ركيزة أساسية فى معادلة الردع، بما يعادل تأثير السلاح النووى فى المفاوضات. وفى تدوينة له، على صفحته الرسمية بمنصة «إكس»، تعليقًا على إعلان ترامب هدنة مع طهران، قال نائب رئيس مجلس الأمن القومى الروسى، ديميترى ميدفيديف، إن إيران «اختبرت أسلحتها النووية، المتمثلة فى مضيق هرمز؛ الذى لا تنضب إمكاناته».

 

يبقى تحقيق الانتصار الحاسم فى المواجهة الحالية، أسير صعوبات شتى. فعلاوة على التحديات التى تكتنف استئناف الضربات الجوية على إيران، يتعاظم عجز مخزونات المسيرات والصواريخ الهجومية والاعتراضية. ومن ثم، بدأت تلوح فى الأفق تلميحات للجوء واشنطن إلى الاستخدام غير المبرر، استراتيجيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، لمنظومات تسليحية أشد فتكًا. أسوة باستخدامها السلاح النووى ضد اليابان نهاية الحرب العالمية الثانية. ففى تلويح مفاجئ ومثير، هدد ترامب باستخدام أسلحة غير مسبوقة، لإعادة إيران إلى «العصر الحجرى»، أو «إبادة حضارتها». أما جيه دى فانس، نائب الرئيس، فأكد أن الولايات المتحدة تمتلك أسلحة حاسمة تنتظر توجيه الرئيس باستخدامها، إذا لم يغير الإيرانيون سلوكهم. الأمر الذى يُبقى الحرب البحرية المحتملة، أقرب الخيارات المرتقبة، حال استئناف التصعيد.

 

مع استمرار الجمود فى المشهد التفاوضى المعقد، تُنذر أية مواجهة بحرية فى مضيق هرمز، ببلوغ الأزمة إلى مرحلة أكثر ضبابية. حيث تتفاعل خلالها الأبعاد العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية؛ بما يغذى احتمالات اندلاع صراع مفتوح، فى أحد أشد ممرات العالم البحرية حساسية. وما بين تقديرات الردع الاستراتيجي، وحسابات الارتدادات الاقتصادية، تصطدم واشنطن بمعادلة صعبة. تتجلى فى ضرورة حرمان إيران من توظيف مضيق هرمز، ورقة ضغط تفاوضية وأداة ابتزاز جيوسياسية، مع تجنب إشعال حرب بحرية تضاعف معاناة أمنَى الغذاء والطاقة، وتفاقم أجواء عدم اليقين فى المشهدين الإقليمى والدولى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة