x قد يعجبك أيضا

فخ التنفيذ.. لماذا تخشى الأمهات تقنين الاستضافة؟

الإثنين 27 أبريل 2026 - 9:42 م

«دخلت الإعلانات كى أجد أمى» فى أربع كلمات لخصت الفنانة نانسى صلاح مبررات دخولها المجال الفنى من بوابة الإعلانات بحثًا عن الأم التي افتقدتها منذ كان عمرها ثلاث سنوات فقط.


تروى نانسى فى لقاء سابق مع الإعلامية منى الشاذلى قصتها مع أب وأم انفصلا فى طفولتها، لكن الأب أخذها من الأم فى عمر ثلاث سنوات ولم تلتق والدتها مرة أخرى حتى وصلت إلى السابعة والعشرين من عمرها، بعدما تعرفت عليها الأم عندما شاهدتها فى التليفزيون.


قصة نانسى ليست الوحيدة، لكنها تسلط الضوء على ثغرة إنسانية وقانونية دامية فى ملف «الاستضافة» وقوانين الأحوال الشخصية؛ حين ينتزع الأطفال من بيئة حضانتهم القانونية ليتحولوا إلى مفقودين، تبحث عنهم أمهاتهم سنوات طوية، وبينما تغيب الأرقام الدقيقة عن توثيق هذه المعاناة، تظل الشهادات الحية تؤكد أن آلاف الأطفال يعيشون سيناريو نانسى ذاته، حيث يُتخذ الإخفاء القسرى وسيلة لفرض واقع جديد بعيدًا عن أحكام القانون.


مع تجدد السجال بشأن قانون جديد للأحوال الشخصية وتنظيم أوضاع الأسرة بكل أطرافها، وتنظيم مجلس النواب أول جلسة استماع بشأن قضايا الأسرة، وسط اتجاه عام لتقنين الاستضافة/ الاصطحاب التى كانت تطبقها بعض الأسر وديًا بدون أطر قانونية عوضًا عن نظام الرؤية اللإنسانية التى يحصرها القانون لغير الحاضن لمدة ثلاث ساعات أسبوعيًا فى مكان عام، ولا يحق للجدود المشاركة فى رؤية الصغير.


صرخات الأمهات


تروى رضوى ــ وهو اسم مستعار للأم التى تواصلت معى ــ قصتها مع الاستضافة، فالأم التى انحازت طوعًا للفطرة وصحة طفلتها النفسية واستمرار علاقة سوية بين الابنة ووالدها بعد الانفصال، طبقت الاستضافة بإرادتها، وداوم الأب على اصطحاب البنت فى أيام العطلات، لكن مع تصاعد الخلاف بين الأم والأب، ورغم موافقتها على اصطحاب الطفلة، أخفاها الأب ولم تظهر حتى الآن منذ يوليو 2023، لم تتمكن من استعادة الطفلة لحضنها مرة أخرى، وترفض رضوى رفضًا قاطعًا تقنين الاستضافة مع الخذلان الذى تعرضت له من الأجهزة التنفيذية وعدم قدرتها على ضم ابنتها مرة أخرى.


قصة رضوى ليست مجرد صرخة فى الفراغ، بل تتلاقى مع صرخات أخرى لها مبرر موضوعى وليست مجرد مكايدة بين الأمهات والآباء، فتتطرق المحامية نهاد أبو القمصان ومؤسسة المركز المصرى لحقوق المرأة فى عدة لقاءات إعلامية إلى أزمة إخفاء الأطفال، تقول فى أحد الحوارات أن خط نجدة الطفل لم يتكمن من إعادة أى من الأطفال إلى أمهاتهم مرة أخرى، وتتحدث عن أم أستاذة جامعية اُنتزع منها طفلها ولديها أحكام قضائية لضم الطفل ولكن لم تتمكن من التنفيذ حتى الآن.


كل هذه الحالات تبث رعبًا فى نفوس آلاف الأمهات خوفًا من الحرمان من الصغار وانتزاعهم منهم بالقوة بعد تطبيق الاستضافة، رغم أن مشروعات القوانين والمقترحات المطروحة حاليًا تتحدث عن ضوابط للاستضافة، لكن الحالات السابقة تمثل فزعًا للأمهات وتعتبر آليات التطبيق علامة استفهام كبرى، وجاهزية الأجهزة التنفيذية على التنفيذ والتطبيق.


شروط الاصطحاب


فى مواجهة مخاوف الأمهات، يطرح مشروع القانون الذى قدمه حزب العدل من خلال النائبة فاطمة عادل، ومشروع القانون الذى أعدته مؤسسة قضايا المرأة المصرية وقد تتبناه إحدى النائبات وتقدمه فى مجلس النواب، حلولًا وشروطًا لتطبيق الاستضافة.


يجيز مشروع قانون حزب العدل تطبيق نظام الاصطحاب من سن ثلاث سنوات للطفل، وتنص المادة 57 من مشروع قانون حزب العدل على أن «يكون للطرفين الحق فى تنظيم الاصطحاب بالتراضى مع إخطار مكتب التسوية بمذكرة الاتفاق، فإذا تعذر ذلك يكون للقاضى بعد سماع أقوال الطرفين والموازنة بينهما وما تمليه مصلحة الصغار الحكم بالاصطحاب وتحديد مدته وضوابطه. ويجب أن يتضمن الحكم عددًا من التدابير الاحترازية لضمان عودة المحضون للحاضن أخصها وضع اسم الصغير والمتمتع بالاصطحاب على قوائم المنع من السفر».


حاولت عادل وحزبها وضع أطر تنظيمية للاستضافة تطمئن الأمهات، فمن خلال المادة 60 وضعت أطر تنظيمية لتسليم وتسلم الأطفال والإشراف على تنفيذ حكم الاصطحاب من خلال شرطة الأسرة المتخصصة، فيكون تسليم وتسلم الطفل فى أحد النوادى الرياضية أو أحد مراكز الشباب، أو إحدى دور رعاية الأمومة والطفولة التى تتوافر فيها حدائق، أو إحدى الحدائق العامة.


وفى حال امتناع غير الحاضن عن إعادة الصغير يتم تحريك ضده جنحة امتناع عن تسليم صغير وعقوبتها الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تزيد عن عشرين ألف جنيه، مع حق الطرف الحاضن فى هذه الحالة فى رفع الأمر للقاضى لإسقاط الحق فى الاصطحاب.


على الجانب الآخر، يضع مشروع القانون المقترح من مؤسسة قضايا المرأة المصرية نصًا قد يكون أكثر مرونة ويضع الحالة النفسية للصغير فى الاعتبار، كما يضع شروطًا على غير الحاضن، فربطت المادة 111 من المشروع صدور قرار القاضى بالاصطحاب لغير الحاضن، بضرورة الاستماع لرأى الطفل ومطالعة تقرير الإخصائى الاجتماعى وتقدير مصلحة الطفل الفضلة، مع ضرورة أن يكون غير الحاضن ملتزمًا تجاه الصغير بجميع الالتزامات القانونية الأخرى، ويسقط عنه حق الاستضافة مستقبلًا إذا لم يلتزم بإعادة الصغير فى المدة المتفق عليها.


ووضعت المادة 116 من مشروع القانون عقوبات على غير الحاضن الممتنع عن تسليم الصغير بعد انتهاء مدة الاصطحاب المتفق عليها بالحبس مع الشغل مدة لا تقل عن ستة أشهر، مع سقوط حقه فى الاصطحاب طوال فترة الحضانة.


العقوبات وحدها لا تكفي!


مع إن ما تطرحه هذه المقترحات من «عقوبات حبس» أو «منع من السفر» قد يبدو من الناحية النظرية رادعًا وتأمينًا لحق الصغير فى أمانه واستقراره، لكنه فى وجدان الأمهات ليس سوى مسكنات، لا تضمن استعادة الطفل. فالعقوبة التى تقع على الأب الممتنع عن تسليم الصغير لن تعوض الأم عن سنوات الحرمان، ولن تعيد للطفل استقراره النفسى الذى دُمر لحظة انتزاعه من بيئته.


تظل معضلة «التنفيذ» هى الثغرة التى لا يسدها نص المادة، بل كفاءة الأجهزة التنفيذية، ففى حالات انتزاع الطفل قسرًا، لا تكمن المشكلة فى وجود حكم قضائي، بل فى القدرة على تحديد مكان الطفل وإعادته بالقوة الجبرية قبل أن يتحول الحرمان المؤقت إلى أمر واقع، وقبل أن ينجح الطرف المتعنت فى غسل دماغ الصغير أو إخفائه تمامًا كما حدث فى قصة رضوى.


إن طمأنة قلوب الأمهات المذعورة تتطلب ما هو أبعد من الغرامة والحبس؛ تتطلب منظومة رقمية متكاملة تربط بين الأحكام القضائية والمنافذ الحدودية، وتفعيلًا حقيقيًا لـ«شرطة الأسرة» التى تمتلك الصلاحيات والأدوات اللوجستية للتحرك الفورى، وليس فقط الإشراف على التسليم والتسلم فى النوادى والحدائق.


ويبقى التساؤل قائمًا، هل ينجح المشرع المصرى فى صياغة قانون لا يكتفى بمنح الحقوق، بل يضمن حمايتها؟ وهل يستطيع ضمان ألا يتحول الاصطحاب إلى فخٍ جديد لانتزاع الصغار؟ الإجابة لا تكمن فى متون المواد القانونية فحسب، بل فى جاهزية الدولة واستعدادها بجدية، فلا تظهر فى المستقبل شخصية جديدة تبحث عن الشهرة فقط من أجل الوصول لأمها التى تفتقدها لسنوات طويلة.


كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة