الإمبراطور العارى

الأحد 26 أبريل 2026 - 6:45 م

كانت رحلة عمل مرهقة ومثيرة، حملتنى إلى مدينة سوسنوفاى بور الواقعة على خليج فنلندا شمال غربى روسيا، حيث توجد محطة لينينجراد للطاقة النووية، بقدرات تتجاوز 4800 ميجاوات.

لم يكن للمدينة الصغيرة وجود حتى ديسمبر عام 1973 حين أُنشئت المحطة، أما الآن فالمدينة باتت مقصدا للسائحين.

فى قلب المدينة تم إنشاء حديقة أطفال باسم «أندرسنجراد» نسبة إلى الكاتب الدنماركى «هانس كريستيان أندرسن» الملقب برائد أدب الأطفال فى العالم، أمضيت وقتا ممتعا فى الحديقة مع رفقاء الرحلة، ولم يأخذنى بعيدا عن الاستمتاع بتلك الأجواء الساحرة سوى ذكرى لقصة «ثوب الإمبراطور» التى كتبها «أندرسن» ويحاجج البعض بأن لها أصلا فى الأدب العربى يسبق رواية «أندرسن».

تحكى القصة عن إمبراطور مغرور مهووس بالملابس الفخمة، وذات يوم هبط على المدينة خياطان محتالان وأقنعا أهل المدينة بقدراتهما على حياكة أفخم الثياب، وتمكن المحتالان من الوصول للإمبراطور وأقنعاه بأنهما قادران على حياكة ثوب عجيب لا يراه إلا الأذكياء، ومن لا يتمكن من رؤيته يكون غبيا، واقتنع الإمبراطور ووافق على أن يحيكا له هذا الثوب العجيب حتى يختبر به من حوله فيعرف من فيهم الذكى الذى يستحق موقعه ومن منهم الأحمق الغبى، فطلب الخياطان  من الإمبراطور أن يمدهما بخيوط ذهبية لإتمام حياكة الثوب، وبعد أن حصلا على الخيوط الذهبية أخفياها، وأوهما الجميع بأنهما يخيطان الثوب بالفعل، ولكن من دون خيوط.

وبعد أيام أرسل الإمبراطور أحد أتباعه ليرى إلى أين وصلا فى خياطة الثوب العجيب، وحين دخل عليهما وجدهما يتصنعان خياطة الثوب لكنه لم ير شيئا، فقال لهما: أين الثوب؟

 فجاء ردهما: ها هو ألا تراه؟!

فخشى أن يتهم بالغباء، فقال لهما: بلى أراه إنه ثوب جميل فعلا، فعاد إلى الإمبراطور ليخبره بجمال الثوب! ثم طلب الخياطان المحتالان خيوطا ذهبية جديدة لاستكمال خياطة الثوب، فحصلا على ما أرادا، وتكرر الأمر مع رجل آخر من اتباع الإمبراطور.

وبعد فترة أخبرالخياطان المحتالان الإمبراطور أنهما قد انتهيا من خياطة الثوب.

وطلبا منه أن يرتديه ليجربه، وأوهماه بأنهما يلبسانه الثوب.

فخشى الإمبراطور أن يقول لهما إنه لا يرى شيئا حتى لا يتهم بالغباء، ثم ارتدى التاج والقلائد وخرج فى موكب ليرى الناس الثوب العجيب، ومر الإمبراطور فى موكبه، والناس تراه عاريا، لكنهم يخشون الاتهام بالغباء، فلم يتحدث أحد.

 حتى صرخ طفل صغير: إن الإمبراطور يسير عاريا!

فانفجر الجميع: نعم إن الإمبراطور يسير عاريا!

فأدرك الإمبراطور الخديعة وعاد إلى قصره وأمر بالقبض على الخياطين، لكنهما كانا قد هربا من المدينة.

أتذكر هذه القصة كلما تابعت تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب منذ بدأت الحرب على إيران، والتى حملت وفقا لصحيفة نيويورك تايمز العديد من الكذب والتضليل، الصحيفة الأمريكية، حذرت ترامب من أن هذه الممارسات قد تأتى بنتائج عكسية عليه شخصيا وعلى مصالح أمريكا، مذكرة بتحليل سابق لصحيفة واشنطن بوست، كشف عن أن ترامب أطلق خلال ولايته الأولى نحو ثلاثين ألف تصريح مضلل أو غير صحيح!

يشبه سلوك الإمبراطور فى قصة «أندرسن» سلوك الرئيس الأمريكى ترامب من حيث الغرور والزهو بنفسه، ويتشابه سلوك الخياطين المحتالين مع سلوك من أقنعا ترامب بضرورة الحرب على إيران، رغم تحذيرات دوائر عديدة داخل أمريكا وخارجها، وتتطابق تصرفات حاشية الإمبراطور فى قصة «أندرسن» مع تصرفات بعض أركان إدارة ترامب

وإن كان ثمة اختلاف بين القصة الخيالية والواقع المعيش فقد يكون فى أن ترامب يعرف جيدا أنه لا يرتدى هذا الثوب الوهمى ، وأنه ربما قد اتفق مع المحتالين اللذين سرقا «الخيوط الذهبية» ليقتسم معهما لاحقا عوائد هذه الخديعة، وفى هذه الحالة فهو ليس بحاجة لهذا الطفل الذى صرخ: «الإمبراطور يسير عاريا»، فقد فعلها عدد من أعضاء إدارته فكان مصيرهم الخروج طوعا أو كرها من فريقه.

لكن المعضلة الأساسية تبقى فى أن «الخيوط الذهبية» التى سرقها الخياطان المحتالان فى قصة «أندرسن» كانت من أموال المدينة التى يحكمها الإمبراطور المغرور، بينما الأموال المهدرة والتكاليف الباهظة لهذه الحرب التى يقودها ترامب ونتنياهو فيتحملها العالم بأسره، سواء من صرخ: إن الإمبراطور يسير عاريا أو من التزم الصمت.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة