على درب الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، ودرب رفاقها من شهداء الحقيقة الذين اغتالتهم يد الغدر الإسرائيلى بدم بارد، سارت الصحفية اللبنانية آمال خليل، ابنة الجنوب التى أصرت على أداء واجبها فى نقل الحدث، رغم تهديدات العدو، فتحولت من شاهدة ترصد وتوثق، إلى شهيدة.
لم يكن هدف الاحتلال من اغتيال خليل، كما أبو عاقلة وباقى كتيبة شهداء الصحافة، سوى حجب الصوت الذى يوثق جرائمه، ويفضح أكاذيبه، ويكشف زيف سرديته، وينقل للشعوب همجية ما يُسمى بـ«الجيش الأكثر أخلاقية فى العالم»، والذى أثبتت الوقائع أنه ليس سوى جماعة من القتلة وقطاع الطرق وسارقى المنازل.
مع سبق الإصرار والترصد، اغتالوا أبو عاقلة برصاصة فى الرأس أثناء تغطيتها جرائمهم فى مخيم جنين قبل أربع سنوات، رغم ارتدائها سترة الصحافة. أما آمال خليل، فقُتلت فى مشهد لا يقل مأساوية، إذ ظلت تنزف لساعات بعد أن استهدفت طائرة إسرائيلية سيارة كانت تسير بمحاذاتها فى قرية الطيرى جنوب لبنان، قبل أن تمتد الغارات إلى منزل احتمت فيه مع زميلتها زينب فرج.
انهار المنزل فوق رأسى صحفيتَى جريدة «الأخبار» اللبنانية؛ نجت زينب بأعجوبة ونُقلت إلى المستشفى، أما آمال فبقيت تحت الركام.
لم تكتف إسرائيل بتفجير المنزل، بل منعت فرق الإسعاف من الوصول إليها، عبر استهداف محيط الموقع وإطلاق النار على سيارات الإنقاذ؛ واستغرق الأمر أكثر من أربع ساعات من الاتصالات بين الجيش اللبنانى وقوات «اليونيفيل» وآلية التنسيق الأمريكية المعروفة بـ«الميكانيزم»، قبل السماح بوصول فرق الإنقاذ، وحين وصلوا كانت آمال قد فارقت الحياة.
كانت آمال تمارس واجبها فى قرى الجنوب اللبنانى بنقل مشاهد القصف والدمار ومعاناة المدنيين وصور الصمود فى وجه الحرب.
دفعت آمال حياتها ثمنا لكونها هناك، فى المكان الذى تنتمى إليه، فهى ابنة الجنوب، تعرفه وتعرف أهله وقراه وتاريخه الصامد المقاوم.
تشبه آمال الجنوب فى كل شىء؛ جماله وصلابته وعناده، لذلك لم ترهبها رسائل التهديد التى وصلتها من «الموساد»، وأمرتها «إما الرحيل وإما التصفية»، فاختارت البقاء، وأداء واجبها مهما كان الثمن.
بين جنين والطيرى، ورغم البعد الجغرافى، تبدو القصة واحدة؛ وهى ذات القصة التى تتكرر فى غزة منذ سنوات؛ صحفيون تفرض عليهم مهنتهم نقل ما يجرى، والانحياز لأصحاب الحق وأصحاب الأرض، فيواجههم المحتل بآلة قتل تستهدف الحقيقة ذاتها، وتسعى إلى إسكاتها، حتى تبقى جرائمه بلا توثيق، ويظل المجال مفتوحا لتسويق أكاذيبه بلا مساءلة.
لن يتوقف هذا القاتل عن ارتكاب جرائمه بحق حراس الحقيقة ما دام يجد من يمكنه من الإفلات من العقاب؛ فالولايات المتحدة حولت حق «الفيتو» إلى درع حماية يعطل أى مسار جاد للمحاسبة، لتصبح شريكا فى تزويد المجرم بالسلاح.
أما ما يُسمى بالمجتمع الدولى، فيكتفى بالوقوف فى موقع المتفرج، وبإصدار بيانات إدانة وشجب باهتة، وحتى عندما تتشكل لجان تحقيق، فإنها لا تفضى فى الغالب إلى نتائج تتناسب مع حجم الجرائم الإسرائيلية. وفى الوقت الذى تتحدث فيه الأرقام عن عشرات الآلاف من الشهداء فى غزة والضفة ولبنان، ويقترب عدد الصحفيين الذين قُتلوا خلال العامين الأخيرين من نحو ثلاثمائة صحفى، لا يوجد مسار مساءلة فعلى يضع حدا لتلك الجرائم.
لا يمكن لدائرة الإدانة أن تكتمل دون أن يُوضع «العجز العربى» فى قفص الاتهام؛ ففى الحالة اللبنانية، وبعد ساعات فقط من اغتيال آمال خليل، جرى استئناف مسارات التفاوض فى واشنطن، شارك فيها ممثلون عن الحكومة اللبنانية مع ممثلين عن القاتل، فى مشهد يعكس فجوة صارخة بين وقع الجريمة وحدة الرد السياسى عليها.
بعد استشهاد آمال، اتهم الرئيس اللبنانى جوزيف عون إسرائيل بـ«ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، عبر استهداف الإعلاميين بشكل مباشر بهدف إخفاء حقيقة انتهاكاتها وعدوانها على لبنان»؛ ورغم هذا الإقرار، مضى عون فى المسار التفاوضى، وسمح لسفيرة بلاده بلقاء ممثلين إسرائيليين برعاية أمريكية.
كان يمكن للرئيس اللبنانى أن يعلن عدم المشاركة فى جولة المفاوضات احتجاجا على استمرار إسرائيل فى جرائمها، وكان يمكنه أن يستغل لحظة اغتيال آمال، التى هزت الضمير العالمى، لتحسين وضعه التفاوضى، لكنه آثر السلامة ومضى فى طريق التفاوض. رغم أن قرار وقف إطلاق النار، كما قرار الحرب ليس بيده وحده.
ستظل الشهيدتان خليل وأبو عاقلة شاهدتين، ليس فقط على جرائم الاحتلال وشركائه، بل أيضا على نفاق العالم، وعجز وضعف المنظومة العربية.