جمال حمدان يفنّد السؤال المريب.. سيناء إفريقية أم آسيوية؟!

الخميس 23 أبريل 2026 - 6:50 م

«على جبالها تجلّى الله جلالًا ونورًا، وكان ذلك لسيناء، ولم يكن لأى بلدٍ قط. وفى الوادى المقدّس سمع موسى عليه السلام صوت الحق، صوت السكينة والسلام، وكان ذلك أيضًا فى سيناء. بريق النور وصدى النداء ما زالا يغمران سيناء بالخير والعطاء، تلك الأرض التى روتها أزكى الدماء».

فى هذا الشهر من كل عام، وبالتحديد يوم 25 أبريل، تحتفل مصر بعودة طابا إلى السيادة المصرية، بعد أن خاضت واحدة من أشرس قضايا التحكيم الدولى، لتتمكن من استعادة هذا الجزء الغالى من تراب الوطن، بعد أن انتصرت فى معركتى الحرب والسلام، وكذلك التحكيم. هذا يؤكد مكانة مصر، التى خليقٌ أن يُحسب لها حساب حين ترضى، وأن يُحسب لها حساب حين تغضب، وأن يُحسب لها حساب حين تريد، على حد تعبير عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين.

• • •

فى هذا الشهر أيضًا، غُيب عقل وقلم واحد من أنبغ العلماء المصريين فى علم الجغرافيا، ممن عشقوا تراب هذا الوطن فأبدعوا أعظم الأعمال، التى تتحدث عن مصر المكان والمكانة؛ إنه الدكتور جمال حمدان، صاحب العديد من المؤلفات التى أثرت المكتبة العربية والمصرية، وصولًا إلى كتابه ذائع الصيت «شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان»، الذى لقى ترحيبًا كبيرًا فى أوساط الحياة الثقافية فى مصر منذ صدوره عام 1967 فى نسخته الأولى، وجعل جمال حمدان معروفًا لدى المواطن المصرى العادى وغير المعنى بعلم الجغرافيا، كما جعله رمزًا من رموز كبار العلماء المصريين.

وضع الأستاذ هيكل حواره مع جمال حمدان فى مقدمة كتابه «أكتوبر 73: السلاح والسياسة»، وجعل كتاب «شخصية مصر» وكتاب الشيخ رفاعة الطهطاوى «تخليص الإبريز» من أهم كتابين فى المكتبة العربية، ولهما مذاقهما الخاص.

اليوم يمر 33 عامًا على الرحيل المفجع لعالم الجغرافيا جمال حمدان، وكان ذلك فى أبريل 1993م. وقد رأت دار الهلال، فى عهد الصحفى مصطفى نبيل، الذى تصدر «ترند» وسائل التواصل الاجتماعى منذ أيام، لإجرائه استطلاعًا لمجلة العربى الكويتى عام 1980م بعنوان: «مضيق هرمز والحرب العالمية الثالثة»، أن تنشر كتاب «سيناء»، وهو الفصل العاشر من الجزء الأول من كتاب «شخصية مصر»، فى كتاب مستقل.

وكتب مقدمة الكتاب عالم الأنثروبولوجيا الدكتور أحمد أبوزيد، الذى وضع جمال حمدان فى مصاف علماء الجغرافيا المصريين الأوائل: مصطفى عامر، محمد عوض، سليمان حزين. وهى مدرسة جغرافية اتسمت بالشمول والعمق، وإن كان حمدان قد سبقهم سبقًا بعيدًا فى تعدد جوانب فكره، بين جغرافيا المدن والجغرافيا السياسية والسكان والجغرافيا الاقتصادية والتاريخية، مع القدرة الفائقة على التعبير بأسلوب شيق وجميل. وإن كان قد أُخذ على حمدان ملاحظتان:

(1) المراجع التى استند إليها فى كتابه عن سيناء قديمة بعض الشىء، وترجع إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى.

(2) يشير جمال حمدان فى أكثر من موضع فى الجزء الأول من كتابه «شخصية مصر» إلى أهمية الدراسة الحقلية (الميدانية) لعالم الجغرافيا، وهو ما لم يفعله، إذ لا يوجد ما يشير إلى قيامه بأى دراسة ميدانية فى سيناء، بسبب عزلته.

وقد أشار الدكتور أبوزيد إلى الدراسة التى كُلف بها من المركز القومى للبحوث عن سيناء، وأفرد لها فى المقدمة حيزًا كبيرًا عن سيناء والمجتمعات الصحراوية فى مصر، مؤكدًا أن الأنثروبولوجيا من أشد العلوم التصاقًا بالجغرافيا، إلى درجة أن بعض جامعات الغرب، كما هو الحال فى أكسفورد، تضع الجغرافيا والأنثروبولوجيا فى كلية واحدة، وأن حمدان قد طوع الجغرافيا الصماء وجعلها فى متناول المثقف العام.

• • •

ثم يأخذنا حمدان إلى عالم سيناء، وهو الفصل العاشر من الجزء الأول من كتاب «شخصية مصر»، بمذاقه الخاص، لنشاهد معه سيناء كأننا لم نرها من قبل، ونقرأ عن حقائق تدهشنا وتسحرنا فى آن:

1- ذهب البعض إلى أن مساحة سيناء تعادل سدس مساحة مصر، والصحيح عند حمدان أنها 6% من مساحة مصر الكلية، أى نحو 61 ألف كيلومتر مربع، أى ثلاثة أمثال مساحة الدلتا تقريبًا، مما يوضح ضخامة مساحتها.

2- تبدو سيناء فى شكلها كسلةٍ مُدلاة على كتف مصر الشرقية، وعلى الخريطة تبدو مثلثًا منتظمًا بدرجة أو بأخرى.

3- سيناء فريدة بين أقاليم مصر، فهى شبه الجزيرة الكبيرة المتفردة والوحيدة فى يابس مصر، إذ لا توجد منطقة لها ثلاثة سواحل محيطة سوى سيناء، وقد حولت قناة السويس الساحلين المنفصلين فى الشمال والجنوب إلى ما يشبه الساحل الواحد.

4- سيناء أرض البحر، فهى أطول سواحل نسبةً إلى مساحتها فى مصر.

5- يبلغ طول سواحل سيناء نحو 700 كيلومتر من أصل 2400 كيلومتر هى مجموع سواحل مصر، أى أن سيناء التى تمثل نحو 6.1% من مساحة مصر تستأثر بنحو 29.1% من سواحلها.

6- سيناء أقل صحارى مصر عزلة، بفضل موقعها البوابى كمدخل مصر الشرقى، وقد كانت أرض المعركة فى الصراع العربى الإسرائيلى، مما زاد من عمق الارتباط بها، ويؤكد حمدان أن التخطيط القومى الواعى كفيل بإزالة عزلتها، إذ أصبح ربط "سيناء" بالوطن الأم، بالمواصلات والتصنيع والزراعة والتعمير ضرورة ملحة.

7- سيناء غنية بالأنواع النباتية؛ إذ تضم نحو 527 نوعًا تقريبًا، ربعها لا يوجد فى أى مكان آخر فى مصر، وهى تجمع بين نباتات إفريقيا وآسيا فى آن واحد.

8- الساحل الشمالى لسيناء، بأمطاره ورماله ومدنه وبدوه، يكاد يطابق إقليم مارماريكا على ساحل الصحراء الغربية.

9- الساحل الجنوبى بجباله وأوديته وسواحله الصخرية ومعادنه وموانئه يشبه الساحل الغربى للبحر الأحمر.

10- تضم سيناء أعلى قمم الجبال فى مصر، وأعلاها جبل سانت كاترين (2637 مترًا)، وهو سقف مصر وأقرب نقطة فيها إلى السماء.

الكتاب ملىء بالمعلومات عن المناخ والنبات والاقتصاد والسكان والأودية.. إلخ، وهو ممتع، وأى تلخيص له قد يُسىء إليه، ومحاولتى هذه فقط للفت النظر إلى أهميته.

إفريقية أم آسيوية؟!

هذا هو السؤال القديم المتجدد، الذى يتطلب إجابة علمية واعية. فقد ألح بعض الكُتاب والعلماء الغربيين منذ وقت مبكر من القرن الماضى على طرحه بشكل مريب، وتبعه بعضنا دون وعى نقدى كافٍ.

الواقع أن المشكلة مفتعلة، والقضية مزيفة، صنعها الاستعمار لأغراض سياسية. أما الحقيقة العلمية، فمحسومة: سيناء، من الناحية الطبيعية، إفريقية أكثر منها آسيوية، وهى امتداد لصحراء مصر الشرقية، أقرب فى الجغرافيا والمناخ والنبات إليها من الجزيرة العربية، وبالتالى فهى جزء لا يتجزأ من مصر الإفريقية.

• • •

فى النهاية، أملى أن تتبنى دار الشروق نشر كتاب «شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان» على أجزاء، لتيسير قراءته، نظرًا لضخامة مجلداته الأربعة. فكأن جمال حمدان يعيش بيننا، يناقش قضايا الحاضر.

يؤكد جمال حمدان فى كتابه «شخصية مصر» أن مصر ليست دعوة انعزالية، فيقول: «فى عصر البترول العربى الخرافى نخدع أنفسنا وحدنا إذ نحن فشلنا أن نرى وزن مصر وثقلها، حجمها ومكانتها، قامتها وقيمتها، قوتها وقدرتها بين العرب وبالتالى فى العالم ككل، فلم تعد مصر تملك طرف الاستخفاف والاستهتار بمن حولها من الأشقاء أو الانعزال، انعزال المريض الذى يغطى عجزه باجترار الماضى وأمجاده وتمجيد العزلة. وإن مصر فى وجه هذه المتغيرات فى حاجة ماسة جداً لإعادة نظر حادة فى ذاتها، وإلى مراجعة للنفس أمينة وصريحة بلا غرور أو ادعاء وبلا تهرب أو استجداء»، (ص 20 من الجزء الأول من كتاب شخصية مصر).

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة