نشرت جريدة واشنطن بوست مقالًا للكاتبة ليانا إس. وين، تحلل فيه تجربة ولاية يوتا الأمريكية فى استخدام الذكاء الاصطناعى لتجديد الوصفات الطبية الروتينية؛ حيث توضح وين كيف يمكن لهذه التقنية أن تذلل العقبات أمام المرضى وتخفض التكاليف. بجانب هذا التفاؤل بالتجربة التكنولوجية، تحذر الكاتبة من التداعيات الخطرة المترتبة على غياب الرقابة البشرية المباشرة ودقة التشخيص الآلى فى الحالات المعقدة. لذا تؤكد وين على ضرورة وضع أطر قانونية وأخلاقية صارمة الآن قبل أن يصبح انتشار التكنولوجيا أمرًا واقعًا يصعب تنظيمه لاحقًا.. نعرض من المقال ما يلى:
بالرغم من المخاوف التى أثارتها أحدث تجارب ولاية يوتا، ولاية جبلية تقع فى غرب الولايات المتحدة، فى مجال الذكاء الاصطناعى بالتعاون مع شركة دوكترونيك (Doctronic)، وهى تمكين «طبيب ذكاء اصطناعى»، بدلًا من الكادر البشرى، من كتابة وصفات الأدوية للمرضى، إلا أن كاتبة المقال ليانا إس. وين ترى أن الفكرة جديرة بالدراسة؛ فإذا نُفذت بعناية، يمكن لهذا الابتكار أن يحسن من جودة الرعاية الصحية، ويقلل التكاليف، حتى وإن أثار مخاوف أخلاقية وتنظيمية مشروعة.
فى الوقت الحالى، قد يمثل كتابة أو تجديد الوصفة الطبية للمرضى تحديًا كبيرًا، لأسباب عدة منها صعوبة ذهاب بعضهم إلى مكتب الطبيب. فينتهى الأمر بتأجيل تلك الزيارة والاستغناء عن الأدوية، وهو أمر قد يكون خطيرًا لمن يعانون من أمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكرى، ومشكلات القلب والأوعية الدموية.
يمارس طبيب الذكاء الاصطناعى عمله من خلال محاكاة البروتوكول الطبى التقليدى، حيث يطرح على المريض ذات الأسئلة التى يوجهها الطبيب البشرى قبل الموافقة على تجديد الوصفة الدوائية. وبحسب مؤسسَى شركة دوكترونيك، فقد تم التعاون مع خبراء فى الطب والصيدلة لتحديد قائمة تضم نحو 190 دواءً شائعًا، مثل أدوية الربو ومنع الحمل ومسيلات الدم، مع استبعاد العقاقير الخطرة كالمواد الأفيونية والمنشطات والأدوية المحقونة لضمان أعلى مستويات السلامة.
إليك عزيزى القارئ كيف تعمل المنظومة؟ عندما يطلب المريض الخدمة، يقوم النظام بالآتى:
• التأكد من أن المستخدم مقيم فى ولاية يوتا.
• التحقق من أن الوصفة الطبية قد صدرت سابقًا.
• فحص التفاعلات الدوائية وطرح سلسلة من الأسئلة حول الالتزام بالدواء، وفعاليته، وأى مشكلات صحية جديدة قد تجعل الدواء غير آمن.
تعليقًا على ما سبق، يوضح أوسكويتز، وهو جراح، أن القائمين على المشروع استعانوا بـ20 طبيبًا لتحديد معايير الفحص الدقيق التى يتبعها النظام الآلى؛ فإذا كشف الذكاء الاصطناعى عن أى مخاوف صحية، يتم توجيه المريض مباشرة للتحدث مع طبيب بشرى من «دوكترونيك» دون رسوم. أما فى الحالات الروتينية، فتُرسل الوصفة الطبية إلى الصيدلية فورًا.
حاليًا، تتم مراجعة كل وصفة يولدها الذكاء الاصطناعى من قبل طبيب بشرى. وأوضح بافيل، من المشاركين فى المشروع، أنهم قسموا الأدوية الـ190 إلى تسع مجموعات؛ وبمجرد أن يعالج النظام بنجاح 250 وصفة فى كل فئة، سينتقلون إلى نموذج يجدد فيه الذكاء الاصطناعى الوصفات من تلقاء نفسه، مع مراجعة الأطباء لعينة تبلغ حوالى 10% فقط بعد التنفيذ. وتخطط الشركة مستقبلًا لفرض رسوم قدرها 4 دولارات لكل عملية تجديد، علمًا بأن الخدمة مجانية حاليًا خلال المرحلة التجريبية.
لا يبدو الجميع متحمسًا لهذه التقنية؛ فقد صرح آرون كيسلهايم، أخصائى أخلاقيات البيولوجيا والأستاذ فى كلية الطب بجامعة هارفارد، بأنه رغم أن بعض الأدوية قد تبدو منخفضة المخاطر على الورق، إلا أن وصفها غالبًا ما يكون معقدًا وخاصًا بكل مريض. كما أشار كيسلهايم إلى أن العديد من الأدوية تتطلب مراقبة مستمرة، بما فى ذلك فحوصات مخبرية منتظمة، وانتباهًا للآثار الجانبية، ونقاشات دقيقة مع المرضى، مؤكدًا: «ليس من الواضح أن الذكاء الاصطناعى قادر تمامًا على محاكاة ذلك».
بين ثغرات التنظيم واختلاف التفسيرات، تبرز أزمة قانونية حول هوية الرقيب على «وصفات الذكاء الاصطناعى». فمن جهة، سمحت ولاية يوتا للنظام بالعمل رغم تعارض ذلك مع قوانينها التى تحصر الممارسة الطبية فى البشر، ومن جهة أخرى، يرى خبراء ضرورة خضوع هذه التقنية لمعايير إدارة الغذاء والدواء (FDA)، رغم تأكيد الأخيرة أن هذه الأنظمة لا تقع ضمن نطاق صلاحياتها التنظيمية.
يقول دانيال آرون، الطبيب وأستاذ القانون المشارك فى جامعة يوتا: «إن استخدام جهاز طبى بهذا الشكل المبتكر للغاية دون أن تنطق إدارة الغذاء والدواء بكلمة واحدة هو أمر مذهل، ويوحى بأننا قد نرى المزيد من المنتجات غير المختبرة تصل إلى السوق».
بات من الملحّ أن يحسم المشرعون والجهات الرقابية معايير الإشراف على هذه التقنيات، لا سيما مع تسارع خطط «دوكترونيك» للتوسع؛ إذ تجرى الشركة حاليًا مفاوضات متقدمة لإطلاق تجارب مماثلة فى تكساس وأريزونا ووايومنج. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمن المتوقع دخول منافسين جدد إلى الساحة، خاصة أن يوتا بدأت بالفعل شراكة ثانية مع شركة أخرى لتقديم وصفات الأدوية النفسية.
خلاصة القول، تشيد ليانا وين بالتحول الرقمى فى الصحة، لكنها تحذر من تبنى تقنيات الذكاء الاصطناعى دون ضوابط قانونية وأخلاقية، فهو مخاطرة كبرى. تؤكد وين بأن التساؤلات حول حماية بيانات المرضى والمسئولية عن الأخطاء الطبية يجب أن تُطرح الآن وقبل فوات الأوان؛ أى قبل أن يعتاد الناس على غياب الطبيب البشرى ويصبح الذكاء الاصطناعى جزءًا لا يتجزأ من حياتهم الصحية.
ترجمة وتحرير: وفاء هانى عمر