«كُلّ اللى يعجبك، والبس اللى يعجب الناس».. مثل مصرى قديم يبدو بسيطًا، لكنه يوضح شيئًا عميقًا عن علاقتنا بالآخرين. فما نأكله شأن يخصنا، أما ما نرتديه فيراه الناس، ولذلك لم تكن الملابس فى أى وقت مجرد مسألة ذوق أو أناقة، الثوب يقول للناس من نحن، ومن أى طبقة، وماذا نفعل، وأحيانًا ماذا يسمح لنا المجتمع أن نفعل.
وتاريخ ملابس النساء فى القرن التاسع عشر يكشف لنا بوضوح كيف يمكن لقطعة ملابس أن ترتبط بتغيّر أكبر فى الحياة. فى ذلك الوقت، كان ارتداء المرأة للسروال أو السترة ذات الطابع الرجالى كافيًا لإثارة الدهشة، وأحيانًا السخرية والاعتراض.
كان جسد المرأة محاطًا بقواعد صارمة، من الفساتين الطويلة والكورسيه إلى القبعات والطبقات الكثيرة من الملابس، التى لم تكن تتيح لها دائمًا حرية الحركة، هذه الملابس لم تصمم لتقيّد حركتها بقدر ما صممت لأنه لم يكن متوقعًا أن تتحرك كثيرًا فمشاويرها ونشاطاتها محدودة.

لكن حياة النساء بدأت تتغير، ومعها ظهرت احتياجات لم تعد الملابس التقليدية قادرة على تلبيتها بسهولة، فالعمل والسفر وركوب الخيل والدراجات وممارسة الرياضة، وحتى المشى لمسافات طويلة فى المدينة، كلها أنشطة احتاجت إلى ملابس أكثر عملية وهنا لم تعد المسألة مجرد تغيير فى تصميم الثوب؛ فالمرأة التى تبحث عن ملابس تسمح لها بالحركة كانت تدخل أيضًا إلى مساحات جديدة من الحياة، وتواجه نظرة مجتمع لم يعتد رؤيتها بهذه الصورة.
تذكرت هذه الحكاية وأنا أتجول فى باريس خلال أسبوع الموضة فى هذه الأيام تصبح المدينة كأنها عرض مفتوح؛ الشوارع تمتلئ بالأزياء، والواجهات تتغير، والمقاهى والفنادق والمتاجر تبدو امتدادًا لعروض الأزياء.
لا تحتاج إلى الذهاب للقاعات كى تشاهد العرض، يكفى أن تمشى فى الشارع وتنظر حولك لتكون جزءًا من المشهد.
وتعودت زيارة المدينة فى هذه الفترة تحديدًا لأن المتاحف تدخل هى الأخرى فى الحكاية، وتمنح الموضة بُعدًا يتجاوز اتجاهات الموسم وتذهب بنا إلى التاريخ والفن وحياة الناس.
وهذا ما وجدته فى قصر جالييرا ، متحف الأزياء فى باريس، حيث يقام هذا العام معرض Un vestiaire à soi. Féminités dissidentes au 19e siècle، أو «خزانة خاصة بها: الأنوثة المنشقة فى القرن التاسع عشر».

والعنوان ليس مجرد استعارة؛ فالتجول بين المعروضات يمنحك فعلًا إحساسًا بأنك تدخل خزانة ملابس كبيرة، لكن كل قطعة فيها تحمل أثر حياة مختلفة. لم أكن أشاهد أزياء من زمن مضى فقط، وإنما أشياء ارتدتها نساء وعشن بها، فى وقت كانت فيه خياراتهن فى الملابس مرتبطة إلى حد بعيد بما يستطيع المجتمع تقبّله ويضم المعرض نحو خمسمائة قطعة وعمل، من بينها ملابس وصور ولوحات وإكسسوارات ولا يقتصر على شخصيات شهيرة مثل المؤلفة جورج صاند والفنانة روزا بونور، وإنما يضم أيضًا نساء عاديات من المجتمع اخترن ارتداء ملابس الرجال.
ملصق المعرض يحمل صورة سيدتين تجلسان تحت شجرة فى حديقة عامة، ترتديان ملابس رجالية فى مشهد يبدو عاديًا وهادئًا، أحببت هذه اللقطة لأنها تنقل الحكاية من أسماء النساء المعروفات إلى نساء لم يسجل التاريخ أسماءهن، لكنهن عشن تجاربهن الخاصة مع الملابس وواجهن نظرة المجتمع إليهن.
ظهرت فى منتصف القرن التاسع عشر عدة محاولات لتقديم ملابس أكثر راحة للمرأة، فى الولايات المتحدة، ارتبط اسم أميليا بلومر بما عُرف لاحقًا بـ«بنطلون بلومر»، وهو زى يجمع بين تنورة قصيرة وسروال واسع تحتها. لم يتحول هذا الزى إلى موضة سائدة ولكنه فعل أكثر من ذلك فقد أثار نقاشًا حول حق المرأة فى اختيار ملابس تناسب احتياجاتها.
وفى أوروبا، ساهم انتشار ركوب الدراجات فى طرح المشكلة بصورة عملية جدًا فكيف يمكن للمرأة أن تركب دراجة بفساتين طويلة وثقيلة؟ لم يكن ممكنًا تجاهل هذا السؤال مع اتساع مشاركة النساء فى أنشطة جديدة، فبدأت تظهر أزياء تسمح لهن بالحركة بسهولة أكبر.
وهكذا ارتبط تطور الملابس بتغير أسلوب الحياة، لكن هذه التغييرات العملية كان لها أثر آخر؛ إذ جعلت المجتمع يعيد النظر، ولو ببطء، فى الصورة التى اعتاد أن يرى المرأة من خلالها.

لهذا لا أحب أن أنظر إلى تاريخ الأزياء كما لو أنه مجرد تاريخ للفساتين والألوان وحدها، فالملابس تحكى أيضًا عن الأماكن التى استطاعت النساء الوصول إليها، وعن الأنشطة التى أصبحن قادرات على ممارستها، وعن المساحة التى امتلكنها فى الحياة العامة وأحيانًا تكشف قطعة ملابس بسيطة عن تحوّل لم يكن واضحًا فى البداية، لكنه أصبح جزءًا من الحياة اليومية مع مرور الوقت.
من أشهر الشخصيات التى يقدمها المعرض جورج صاند، الكاتبة الفرنسية الشهيرة فى القرن التاسع عشر، التى اعتادت ارتداء الملابس الرجالية لأسباب متعددة؛ فقد كانت أرخص وأكثر متانة، وتمنحها حرية أكبر فى الحركة داخل باريس، المدينة التى كانت تتغير فى ذلك الوقت على أكثر من مستوى.
وأنا أنظر إلى صورها، بدأت أفكر فى السخرية والانتقادات التى كان من الممكن أن تتعرض لها امرأة تختار الظهور بهذه الملابس وتخيلت مقدار الإصرار الذى احتاجته لتفعل ما تراه مناسبًا لها، فى مجتمع لم يكن يتقبل بسهولة خروج النساء عن الصورة المعتادة لهن.
وتذكرت واقعة أخرى سبقت ذلك بسنوات، حين ظهرت سيدة المجتمع فيرجينى جوترو فى لوحة «مدام إكس» لجون سينجر سارجنت، مرتدية فستانًا أسود يكشف كتفيها وأثار الفستان لا سيما طريقة سقوط إحدى حمالتيه عن الكتف فضيحة اجتماعية دفعت الفنان إلى تعديلها وهذه الواقعة تكشف كيف كان مظهر المرأة قادرًا على إثارة أحكام قاسية، حتى حين يتعلق الأمر بفستان أو بطريقة ارتداء الملابس.
أما جورج صاند فقد اختارت طريقها الخاص ولم تهتم تخيلتها تمشى فى باريس تحمل قلمًا ودفترًا، تدون وهى تتحرك مرتدية ما يجعل حركتها أسهل، غير عابئة بما يفرضه المجتمع من تصورات عن شكل المرأة وما ينبغى أن تكون عليه.

انتقلت إلى شخصية أخرى فى المعرض وهى روزا بونور، الفنانة الفرنسية الشهيرة برسومها للحيوانات، خاصة الخيول، والتى تُعرض خزانتها كاملة للمرة الأولى وهناك شىء مختلف فى أن نرى ملابس امرأة نعرفها من صورها ولوحاتها، ثم نقف أمام الأشياء التى ارتدتها فعلًا. فإذا كانت لوحاتها تكشف جانبًا من عالمها الفنى، فإن مقتنياتها الشخصية تمنحنا لمحة عن حياتها اليومية، سترة وقبعة وحذاء؛ أشياء صغيرة تجعل الفنانة الشهيرة أقرب إلينا، لا كاسم معروف فى تاريخ الفن فقط وإنما كامرأة لها عاداتها وحياتها خارج لوحاتها.
والمدهش فى المعرض أنه لا يقدم هؤلاء النساء باعتبارهن بطلات ثوريات، ولا يحاول أن يفرض علينا تفسيرًا واحدًا لاختياراتهن، بعضهن احتجن إلى ملابس أكثر راحة، وبعضهن عملن أو سافرن أو مارسن الفن، وبعضهن أردن الحركة بحرية، وربما أحببن أخريات شكل هذه الملابس ببساطة، فيما رفضت أخريات الخضوع لتقاليد المجتمع.
فالحياة أكثر تعقيدًا من أن تكون لكل قطعة ملابس قصة واحدة وعندما ننظر إلى الماضى بعيون اليوم، نميل أحيانًا إلى تفسير كل شىء وفقًا لما نعرفه الآن. نرى امرأة ترتدى السروال فنفترض أنها كانت تعلن تمردها على المجتمع، جائز أن يكون الأمر كذلك، وجائز أيضا كانت تريد أن تمشى من دون أن تتعثر فى ثوبها.
قبل شهور، زرت فى أثينا معرضًا بعنوان What You Wear Is What You Are، أى «ما ترتديه هو ما تكونه». وعندما شاهدت معرض باريس، تذكرت العنوان فورًا فمع اختلاف المعرضين، هناك صلة بينهما فما نرتديه ليس منفصلًا عن الصورة التى نصنعها لأنفسنا، ولا عن الصورة التى يكوّنها الآخرون عنا وفى النهاية نحن من نختار هذه الصورة.
وربما لهذا بقى المعرض معى بعد خروجى منه فكنت أمشى فى شوارع باريس فأرى البدلات النسائية والجينز والسترات والأحذية ذات الطابع الرجالى فى كل مكان، من دون أن يتوقف أحد أمامها أو يتساءل عن معناها، أصبحت هذه الملابس جزءًا عاديًا من خزانة المرأة، حتى إننا ننسى أحيانًا أن لها تاريخًا طويلًا.
وأن انتقال المرأة من الفستان إلى السروال لم يحدث فى لحظة واحدة، وإنما استغرق عقودًا من التجربة والرفض والسخرية والتعود وظل المثل المصرى يتردد فى رأسى، لكننى فكرت أن هناك نساء اخترن أن يرتدين ما يعجبهن، لا ما يعجب الناس.