فى الأسبوع الماضى صادق البرلمان الليبى فى شرق البلاد على اتفاقية ترسيخ الحدود البحرية الموقعة مع تركيا فى نوفمبر ٢٠١٩. علما بأن هذا المجلس كان معارضا بشدة لهذا الاتفاق الذى وقعته حكومة الوفاق الوطنى بزعامة فايز السراج، لكنه غيّر رأيه فجأة بسبب حسابات السلطة فى عائلة خليفة حفتر، وهو موضوع يحتاج نقاشا لاحقا.
وزارة الخارجية المصرية أصدرت بيانا يوم الأربعاء الماضى رفضت فيه الاتفاق جملة وتفصيلا، وقالت «إن مذكرة الاتفاق باطلة بطلانا مطلقا، ومعدومة الأثر القانونى ولا يترتب عليها أى آثار على مصر، وهى مخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن قوانين البحار لعام ١٩٨٢ وتمس مساسا واضحا بالحقوق السيادية المصرية فى منطقتها الاقتصادية الخاصة والجرف القارى».
والغريب والمريب أنه بعد كل ذلك نتفاجأ بأصوات وأبواق ساذجة أو مغيبة أو مغرضة تعيد تكرار نغمة أن هذا الاتفاق يفيد مصر أكثر، ويعطيها المزيد من الحقوق البحرية.
من الطبيعى أن تقول تركيا وحليفتها حكومة طرابلس ذلك، لكن أن تردده أصوات وأبواق مصرية فشىء عجيب وغريب ومريب!
لست خبيرا فى قوانين البحار، لكن قرأت وطالعت وسألت عن حقيقة استفادة مصر من هذا الاتفاق، فلم أصل إلى أى دليل يؤيد ذلك.
بيان الخارجية المصرية يقول بوضوح إن المذكرة التركية الليبية ترسم نطاقا بحريا بين البلدين وفق إحداثيات محددة تتعارض تماما مع حقوق مصر البحرية المطلقة.
وينسى البعض أيضا أن مصر قدمت فى العام الماضى وثيقة إلى الأمم المتحدة تعترض فيها على مذكرة تفاهم موقعة فى ٢٥ يونيو ٢٠٢٥ بين المؤسسة الوطنية الليبية للنفط وبين شركة البترول التركية تتعلق بدراسة جيولوجية وجيوفيزيائية ومسح زلزالى لأربع مناطق بحرية. وقالت الوثيقة المصرية إن المذكرة تتداخل مع حدودها البحرية، ورفضت بوضوح الأنشطة التى تستند إلى هذه المذكرة.
مرة أخرى السؤال البسيط: هل يعقل أن ترفض مصر اتفاقا بين تركيا وليبيا يفيدها؟!
وهل يمكن أن نصدق الببغاوات الذين يزعمون بأن مصر ترفض ذلك مجاملة لليونان وقبرص وإسرائيل؟!
كان يمكن أن نتفهم هذه المزاعم إذا كانت الاتفاقية لا تؤثر على مصالحنا، أو أننا نريد مناكفة تركيا بسبب خلافاتنا الكثيرة السابقة معها. لكن الآن العلاقات المصرية التركية استعادت جانبا كبيرا من طبيعتها، وعلاقتنا مع شرق ليبيا معروفة أنها كانت جيدة جدا حتى تمت المصادقة على الاتفاق.
وخلال بحثى فى الموضوع وجدت كلاما مهما للأستاذ أحمد إسماعيل على صفحته على منصة إكس يشرح فيه بصورة علمية حقيقة الموقف، ويرد بوضوح على خرافة أن الاتفاق التركى الليبى قانونى وسليم وأن مصر تستفيد منه.
هو يقول إنه بحكم تخصصه فى مجال تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات الجيوديسية وحسابات الإحداثيات الدقيقة لرصد الأرض، فلا توجد حاجة تجعله يبتسم أكثر من رؤية محاولات لتطويع الجغرافيا الطبيعية والفيزياء على الورق لخدمة سردية سياسية، ترى أن الاتفاق الليبى التركى صحيح ومفيد لمصر.
المعروف أن تركيا لم توقع على اتفاقية الأممية ١٩٨٢ ولا تعترف بها.
الصور والبيانات والإحداثيات تقول بوضوح إن الجرف القارى التركى من هضبة الأناضول لا يوجد له امتداد طبيعى للساحل الليبى، والسبب ببساطة وجود القوس الهيلينى وخندق هيلينك السحيق وخندقى بلينى وسترابو وحوض هيرودوت، حيث تغوص القشرة الأرضية لأعماق تتجاوز ٤ آلاف متر تحت سطح البحر ما يقطع تكتونيا وجيولوجيا أى اتصال قارى مباشر بين تركيا وليبيا، ناهيك عن بروز كتلة جزيرة كريت الجبلية الضخمة كحاجز جيولوجى وسيادى فاصل يستحيل القفز فوقه هندسيا، وبالتالى فهناك سيادات وجزيرة كبرى مأهولة استقرت سيادتها التاريخية والقانونية منذ معاهدة أوشى عام ١٩١٢ ولوزان عام ٢٠٢٣ وكانت تركيا طرفا فيهما، ثم معاهدة مارس عام ١٩٤٧.
يضيف إسماعيل أن جميع اتفاقات ترسيم الحدود فى منطقة شرق المتوسط احترمت قواعد الإسقاط الساحلى وحقوق الجزر، فى حين أن خط الإسقاط التركى الليبى يقطع بشكل شاذ المناطق الاقتصادية الخالصة لدول أخرى منها مصر فى سابقة لا مثيل لها فى تاريخ البحار.
ويصل إسماعيل إلى الخلاصة المهمة فى الرد على حكاية استفادة مصر، فيقول بوضوح إن الخط الشرقى للجرف القارى الليبى المعلن فى الاتفاقية مع تركيا يتجاوز خط السلوم شرقا، ويتداخل بالكامل داخل المياه الإقليمية والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر فى انتهاك صريح للسيادة المصرية.
السؤال المنطقى هو: ما الذى سوف يترتب على هذا الاتفاق الناتج عن صراع السلطة فى شرق ليبيا على مصر؟!