حين تأمر واشنطن موظفى سفارتها فى السعودية العاملين فى غير مجالات الطوارئ بحزم حقائبهم ومغادرة المملكة فورًا مع عائلاتهم، ثم يوضح متحدث باسم الخارجية الأمريكية أن الأمر لا يقتصر على السعودية بل يشمل الأردن والإمارات ودول الخليج، فنحن أمام إشارة لا تحتمل التأويل. فهذا الإجلاء لم يحدث بهذه الصورة حتى حين كانت الولايات المتحدة تحارب إيران مباشرة، ومعناه أن ما يُعد للمنطقة أكبر من الحوثيين وأكبر من السعودية: حرب واسعة تبدأ بمبادرة هجومية على إيران، ثم تنسحب منها أمريكا تاركة الخليج فى قلب العاصفة. وهذا ما مهّد له توم براك، المبعوث الأمريكى إلى سوريا ولبنان، حين أعلن من قطر أن ترتيبات الأمن الأمريكى فى المنطقة انتهت، وأن الخليج قد كبر، وعليه أن يبنى تحالفاته ويخوض معاركه بنفسه.
ويبدو أن العاصفة باتت أقرب من أى وقت مضى؛ فالحوثيون استهدفوا حقل الشيبة مرة أخرى، وهذه المرة أصابت الضربة أهدافها وقتلت مقيمين اثنين وأصابت اثنين آخرين، فيما باتت حقول النفط كلها - من الغوار إلى المنطقة الشرقية، والرياض والدمام - على خريطة الاستهداف. وفى المقابل، أطلقت إسرائيل، بحسب الصحفى باراك رافيد، عشرات المقاتلات مع طائرات التزود بالوقود عبر سوريا والعراق حتى الحدود الإيرانية ثم عادت، فى مناورة راهن نتنياهو على أن تستفز طهران فتبادر بإطلاق النار. فهو يريد إشعال المنطقة قبل السابع والعشرين من أكتوبر ليُلغى الانتخابات، بينما يفضل ترامب التأجيل إلى ما بعد انتخابات الثالث من نوفمبر. أى إننا نتحدث عن فارق أيام، وربما يشتعل الخليج خلال الشهر المقبل.
ونقلت «فايننشال تايمز» أن نتنياهو يريد ضربات على إيران أوسع من الأيام الثمانية والثلاثين الأولى للحرب، وقد تعهد صراحة بتغيير النظام هناك. غير أن تغيير الأنظمة لا يتحقق من الجو، بل يحتاج إلى حملة برية تغطيها حملة جوية، وهو ما لا يملكه أحد. ومع نفاد مخزونات الصواريخ الذكية كـ«توماهوك» و«جاسم» فى الجولة الأولى، ستدخل المقاتلات لتلقى قنابلها على منشآت الطاقة وآبار النفط والبنية التحتية المدنية، وعلى محيط «جبل الفاس» دون أن تمس أنفاقه. ضربات لن تُسقط نظامًا، لكنها ستستفز الإيرانيين ليردوا على الخليج.
وإيران اليوم ليست إيران الأمس؛ فبعد اغتيال مرشدها، رمزها الدينى والسياسى، مع أفراد أسرته وأحفاده، لم تعد تبحث عن تسوية، بل عن غنائم: السيطرة على المضيق، وفرض الرسوم، ورفع كل العقوبات المفروضة منذ الثورة، وتعويض الدمار، وحرية تطوير السلاح النووى. منطقها بسيط: إما أن نعيش جميعًا بسلام، وإما أن نحترق جميعًا؛ ستضربون فنضرب، ثم ترحلون أنتم ونبقى نحن.
• • •
النتيجة حرب على ثلاث جبهات، من إيران والعراق واليمن، بنيران غير متكافئة تطال الغوار والشيبة ومحطات تحلية المياه والمطارات والكابلات البحرية. حينها يُحاصَر الخليج ويفقد موارده، ويضطر إلى تحريك سيولته نحو الولايات المتحدة وإسرائيل لشراء سلاح نادر باهظ، يُباع فيه صاروخ اعتراض كلفته مائة ألف دولار بخمسة ملايين. ولن يكون الثمن مالًا فقط، بل تطبيعا، وشرعية لإسرائيل دولة يهودية، ولاستيلائها على غزة وتهجير سكان الضفة. وفى الأثناء، تتعطل رؤية 2030 وكل حديث عن التحول من الاقتصاد الريعى. ولهذا كان رفض ولى العهد عرض نتنياهو للمشاركة فى حرب اليمن قرارًا صائبًا، فالرجل العاجز عن حماية إيلات لا يملك ما يحمى به الرياض.
فى هذا المشهد، تستعد السعودية لتصعيد الحرب داخل اليمن؛ فبحسب «سى بى إس»، وبعد ما نشرته «وول ستريت جورنال» و«أكسيوس» عقب زيارة أحمد الشرع للرياض، يجرى الحديث عن نقل نحو عشرة آلاف مقاتل من سوريا جوا إلى الجنوب السعودى، وإقامة معسكرات لهم على الحدود لشن هجمات برية من جبهة صعدة. والسبب أن قوات «الشرعية» المتناحرة فشلت فشلًا ذريعًا، وصارت إمداداتها فى عدن ومطار الريان قرب المكلا ومعسكراتها أهدافًا يومية للصواريخ والمسيّرات.
لكن هذه مغامرة انتحارية؛ فصعدة منطقة جبلية وعرة لا يقود إليها من الشمال إلا طريقان، ومن يدخلها لن يخرج منها. والأرجح أن الشرع وجد فيها فرصة للتخلص من المقاتلين الأجانب المتشددين، من الإيغور والطاجيك وقدامى أفغانستان، الذين عجز عن ترحيلهم أو تسليمهم. والأخطر أن زج هؤلاء فى اليمن سيشعل احتقانًا طائفيًا لا يميز بين زيدى وشافعى.
ويرد بعضهم بأن الحوثى قام بانقلاب، وأنه يريد تحويل شافعية اليمن إلى زيدية. لكن هل تستحق هذه التنظيرات أن تدخل المملكة حربًا على ثلاث جبهات تحت نيران لا تتوقف؟ ثم إن الشرع نفسه وصل إلى الحكم بانقلاب مسلح ودعمته الرياض. والفارق أن الصراعات عادةً تُدار بالوكالة، بالمال والسلاح بعيدًا عن حدود الدولة وأجوائها، لا بحرب مباشرة تحرق المدن والحقول.
• • •
القصة فى حقيقتها أبسط من كل ذلك؛ فبعد السابع من أكتوبر، قررت واشنطن وتل أبيب التخلص من خصومهما واحدًا تلو الآخر: قطع الطريق السورى عن حزب الله، واغتيال حسن نصرالله وقيادات الصفوف الأولى، واحتلال الجنوب اللبنانى، وتدمير غزة وتهجير أهلها، ثم إيران، ثم الحوثيون. ولأنهما لا تستطيعان تحقيق ذلك دون جنود على الأرض، تحتاجان إلى حريق لا ينطفئ، وإلى من يقاتل نيابة عنهما. ومن يخسر السرد يخسر الحرب ويخسر الاقتصاد. ولا يُخفى الإسرائيليون نواياهم؛ فوزير الدفاع يسرائيل كاتس يتحدث صراحة عن طرد سكان الضفة إلى خيام فى الصحراء ثم دفعهم نحو الأردن، وعن أن جنوب لبنان المحتل لن يعود إلى لبنان.
كان الأجدى منع هذا السيناريو بالعقل والمنطق: تفاهمات مع إيران والحوثيين، بوساطة عُمانية، تقول بوضوح إن أجواء الخليج ومطاراته لن تُستخدم فى أى هجوم، وإن ما يُدمَّر سيُعاد إعماره، وإن شراكات اقتصادية تنتظر الجميع. موقف كهذا كان سيخفف الرد الإيرانى أو يمنعه، ويوقف العبث الأمريكى بالأمن القومى للمنطقة. فالعدو الأول ليس طهران ولا صنعاء، بل المشروع الذى يحرق غزة ولبنان ويريد الضفة.
لكن واشنطن لا تنتظر أحدًا؛ إنها تُخرج موظفيها وعائلاتهم، وتترك أبناء الخليج يواجهون مصيرًا أسود: سنوات من حروب بلا هدف ولا نتيجة، سوى استنزاف المنطقة وثرواتها حتى آخر برميل. وما لم يُتدارك الأمر الآن، فلن يبقى فى الخليج ما يُتنازع عليه.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية