x قد يعجبك أيضا

الشرق الأوسط فى قبضة المعادلات الصفرية

الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:35 م

 

تكشف الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وما يقابلها من اعتداءات إيرانية على دول الخليج واستمرار تدخل طهران عبر الميليشيات المسلحة التى تمولها وتسلحها فى عدد من الدول العربية، عن مأزق استراتيجى يتجاوز حدود المواجهة العسكرية الراهنة. فالأطراف الثلاثة تنخرط فى معادلات صفرية تفترض أن أمنها لا يتحقق إلا بإضعاف الخصم وإخضاعه، وأن التراجع أمامه يمثل هزيمة لا يمكن قبولها، وأن التسوية السياسية لا تكون ممكنة إلا إذا استجابت لمطالب الطرف الأقوى وقلصت قدرة الطرف الآخر على المناورة. غير أن هذه المعادلات، بدلًا من أن تفتح الطريق أمام استقرار إقليمى جديد، تجعل تجدد الحرب احتمالًا دائمًا، وتفرض على دول الشرق الأوسط وشعوبه أعباء أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة.

المشكلة الأساسية أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تتعامل مع الحرب باعتبارها أداة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، من دون أن تمتلك أى منها القدرة على ضمان أن تؤدى نتائج المواجهة العسكرية إلى تحقيق أهدافها السياسية. فواشنطن وتل أبيب تراهنان على التفوق العسكرى لإضعاف القدرات الإيرانية وفرض قيود أكثر صرامة على خيارات طهران، فيما تراهن الأخيرة على قدرتها على الصمود ورفع كلفة الحرب وتوسيع نطاق المخاطر التى يتحملها خصومها. وبين الرهانين، تتراجع فرص التسوية، وتزداد احتمالات أن تتحول كل جولة من التصعيد إلى مقدمة لجولة جديدة، حتى إذا انتهت المواجهة المباشرة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار.

• • •

ولا يعنى ذلك أن مسئوليات الأطراف الثلاثة متطابقة، أو أن اختلاف السياقات السياسية والقانونية للحرب يمكن تجاهله. فالعدوان الأمريكى والإسرائيلى على إيران يثير أسئلة جوهرية بشأن شرعية استخدام القوة وحدودها، ولا يصبح مشروعًا لمجرد أن السلوك الإيرانى يمثل مصدرًا حقيقيًا للتهديد وعدم الاستقرار فى الشرق الأوسط. وفى المقابل، لا يمكن أن تتحول مواجهة إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مبرر للاعتداء على دول الخليج أو تهديد أمنها ومصالحها الحيوية، كما لا يمكن أن تستمر طهران فى تقديم دعمها المالى والعسكرى لميليشيات مسلحة تقوض سيادة الدول العربية ثم تطالب جيرانها بالتعامل مع أمنها بوصفه شأنًا منفصلًا عن سلوكها الإقليمى.

تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على أن التفوق العسكرى يمكن أن يغير حسابات إيران الاستراتيجية، وأن استهداف قدراتها العسكرية ومنشآتها الحيوية يتيح فرض واقع جديد عليها. غير أن هذا الرهان يتجاهل الفارق بين إلحاق الضرر بالقدرات العسكرية لدولة ما وبين امتلاك القدرة على فرض تسوية سياسية مستدامة معها. فالضربات العسكرية قد تؤخر تطوير بعض القدرات، وقد ترفع كلفة الاحتفاظ بها، لكنها لا تضمن إنهاء الدوافع السياسية والأمنية التى تدفع الدولة المستهدفة إلى السعى لامتلاك أدوات الردع، ولا تمنعها من إعادة بناء قدراتها أو البحث عن وسائل أخرى لممارسة الضغط على خصومها.

وتزداد إشكالية الرهان الأمريكى والإسرائيلى حين يتجاوز إضعاف القدرات العسكرية إلى الاعتقاد بأن الحرب تستطيع أن تفرض تغييرًا سياسيًا شاملا داخل إيران أو أن تنهى قدرتها على التأثير فى محيطها الإقليمى. فالتجارب التاريخية للصراعات العسكرية فى الشرق الأوسط وخارجه تشير إلى أن التفوق العسكرى لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، وأن الحروب التى تتسع أهدافها مع استمرار القتال تصبح أكثر عرضة للاستنزاف، وأقل قابلية للانتهاء بتسوية واضحة. كما أن توسيع نطاق استخدام القوة خارج الحدود التى تفرضها قواعد القانون الدولى يضعف شرعية الحرب، ويعمق انعدام الثقة، ويخلق سوابق يمكن أن تستند إليها دول أخرى لتبرير اعتداءاتها.

• • •

لكن مأزق الحرب لا يتعلق فقط بحدود القوة الأمريكية والإسرائيلية، وإنما أيضًا بطبيعة الاستراتيجية الإيرانية التى ساهمت، على امتداد سنوات، فى تقويض أمن الشرق الأوسط. فقد بنت طهران جانبًا مهمًا من نفوذها الإقليمى على دعم جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى استخدام الأزمات والانقسامات الداخلية فى عدد من الدول العربية لتوسيع مجال حركتها الاستراتيجية. وأسهم هذا النهج فى إضعاف سيادة الدول، وتعقيد فرص بناء المؤسسات الوطنية، وتحويل ساحات عربية إلى مساحات مفتوحة للتنافس الإقليمى وتصفية الحسابات.

وفى هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج باعتبارها مجرد امتداد للمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فاستهداف الدول الخليجية أو تهديد منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية والملاحة البحرية يوسع دائرة الحرب لتشمل أطرافًا ليست مسئولة عن قرار شنها، ويضع أمن المنطقة واقتصاداتها أمام مخاطر تتجاوز حدود الأطراف المتحاربة. كما أن استخدام مضيق هرمز أو غيره من الممرات البحرية ورقة للضغط السياسى يهدد مصالح دول المنطقة والعالم، ويؤكد أن تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة للإكراه لا يقتصر أثره على الخصم المباشر، بل يمتد إلى التجارة الدولية وأمن الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمى.

والأهم أن توسيع إيران دائرة المواجهة لتشمل جيرانها العرب لا يضمن لها تحقيق أهدافها فى مواجهة واشنطن وتل أبيب، بل قد يدفع دول الخليج إلى تعزيز ترتيباتها الدفاعية، ويعمق انعدام الثقة فى النوايا الإيرانية، ويجعل فرص بناء نظام إقليمى أكثر استقرارًا أبعد منالًا. فالدول العربية لا تستطيع أن تتعامل مع الاعتداءات الإيرانية باعتبارها تكلفة ينبغى قبولها لتجنب التصعيد، كما لا يمكن مطالبتها بالاطمئنان إلى التزامات سياسية لا تترافق مع تغيير ملموس فى السلوك. ومن ثم، فإن رفض الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران لا يتعارض مع الإدانة الواضحة للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وإنما يستند الموقفان إلى مبدأ واحد هو رفض استخدام القوة لتغيير إرادة الدول أو المساس بسيادتها وأمنها.

ويظهر هذا التناقض بوضوح أكبر فى استمرار الدعم الإيرانى للميليشيات المسلحة فى العراق واليمن ولبنان، وإن اختلفت طبيعة هذه الجماعات وعلاقاتها بالبيئات المحلية من حالة إلى أخرى. فالأزمات العربية لا يمكن اختزالها فى التدخل الإيرانى، ولا يصح التعامل مع هذه الجماعات باعتبارها مجرد أدوات بلا مصالح أو جذور محلية، لكن الدعم المالى والعسكرى الذى تحصل عليه من طهران يمنحها قدرات إضافية على تحدى مؤسسات الدولة، ويتيح توظيف نشاطها فى صراعات إقليمية تتجاوز احتياجات المجتمعات التى تنشط فيها. وبهذا المعنى، لا تنحصر التداعيات فى تهديد الدول المجاورة، وإنما تمتد إلى إضعاف الدولة الوطنية العربية ذاتها، وإعاقة تسويات الأزمات الداخلية، وفتح المجال أمام تجدد الصراعات كلما احتاجت الأطراف الإقليمية إلى أوراق ضغط جديدة.

• • •

إن جوهر المأزق الراهن أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تريد كل منها تغيير حسابات الآخرين من دون أن تعيد النظر فى حساباتها هى. فواشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تقليص القدرات الإيرانية ونفوذها إلى الحد الذى تريانه ضروريًا لضمان أمنهما، بينما تريد طهران الاحتفاظ بأدوات الردع والنفوذ الإقليمى وإجبار خصومها على دفع ثمن أى مواجهة معها. وفى ظل هذه الأهداف المتعارضة، يصبح التراجع تنازلًا غير مقبول، والتفاوض تعبيرًا عن الضعف، فيما تتراجع فرص البحث عن تسويات تعترف بالمصالح الأمنية المشروعة للأطراف المختلفة وتضع قيودًا على سلوكها.

لكن الحرب لن تحسم هذه التناقضات. فقد تخرج منها الأطراف وقد ألحقت أضرارًا كبيرة بخصومها، من دون أن تكون قد أنشأت واقعًا أمنيًا أكثر استقرارًا. وقد تتراجع بعض القدرات العسكرية الإيرانية، لكن ذلك لا يضمن انتهاء مصادر القلق لدى إسرائيل والولايات المتحدة. وقد تتمكن طهران من رفع كلفة الحرب على خصومها، لكن ذلك لا يضمن لها حماية دائمة من الاستهداف، ولا يعيد الثقة بينها وبين جيرانها العرب. أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام تحدى حماية أمنها من الاعتداءات الإيرانية، مع تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تتحكم فى أهدافها أو توقيتها أو مآلاتها.

وتكمن خطورة هذه المعادلات الصفرية فى أنها تجعل الأمن الإقليمى رهينة لاستمرار الصراع، بدلًا من أن يكون نتيجة لتسويته. فالأمن الذى يقوم على إضعاف الخصم بصورة دائمة لا يحقق الاستقرار، بل يؤجل المواجهة إلى أن تتغير موازين القوة أو تتاح فرصة جديدة للانتقام. وكلما توسعت سباقات التسلح، وتراجعت الثقة، واستمر توظيف الجماعات المسلحة خارج سلطة الدول، ازدادت احتمالات سوء التقدير، وأصبح حادث محدود أو هجوم غير محسوب قادرًا على إشعال مواجهة أوسع.

من هنا، لا يكفى أن تدعو الدول العربية إلى وقف الحرب، كما لا يمكنها أن تتعامل مع الاعتداءات الإيرانية باعتبارها خطرًا يمكن تجاوزه بالتصريحات السياسية وحدها. المطلوب هو الجمع بين بناء قدرات دفاعية قادرة على ردع الاعتداءات وحماية الأراضى والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، وبين العمل السياسى والدبلوماسى على إنشاء ترتيبات للأمن الجماعى فى الشرق الأوسط. فالردع ضرورى لمنع الاعتداءات، لكنه يفقد جدواه الاستراتيجية إذا تحول إلى غاية مستقلة عن التسوية السياسية، أو أصبح مدخلًا إلى سباق مفتوح لتوسيع القدرات العسكرية وبناء محاور متنافسة.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة