لم يتصوَّر أحدٌ أن يأتيَ زمانٌ، يحكم فيه دولةً كبرى تحظى بمكانة سياسية واقتصادية عظمى بين الأمَم؛ شخصٌ لا يتمتَّع بأدنى درجاتِ اللياقةِ والحِكمة، ولا يشغل نفسَه كثيرًا أو قليلًا بالقواعد والتقاليد والبروتوكولات؛ إنما يحطمها تباعًا، ويَضرِب بشروط المنطِقَ عرضَ الحائط، ويجعل من ذاته أضحوكةً وسط أترابه. المقارنة مع رؤساء سابقين لا تأتى على معظم الأصعدة فى صالح دونالد ترامب، والانقسام الذى أحدثه فى المجتمع الأمريكيّ حول أفعاله يبدو فريدًا غير مَسبوق. لا مفرَّ من القول بأن أهلَ الحنكة والكفاءة يتوارون عن المشهد العام هنا وهناك؛ يحلُّ محلَّهم آخرون فقيرو المُقومات، مَعدومو المهارة، يتوزعون على المناصِب العليا دون استحياء، ويتربعون على العروش بغير استحقاق، ويخنقون الأنفاس بزلَّاتهم وحماقاتهم؛ ولا أصْدَق فى وصف الأوضاع الراهنة من المثل الشعبيّ الذى يقول: "الأنصاص قامت والقوالب نامت". • • •ترمُز القوالبُ للاكتمال والتمام بينما الأنصافُ تعكسُ النُقصان؛ فإذا انتكست الأولى وتغلَّبت الثانية وصارت لها السّيادةُ والقيادة؛ تدهوَرت الأحوالُ وساءت المُقدَّرات. مِن المُدهش أن نظريات التطوُّر وما حملت من مفاهيم واصطلاحات تتعلق بالتقدُّم والارتقاء؛ قد طرحت منذ زمَن فكرة "البقاء للأقوى" ثم إذا بها تتحوَّل لاحقًا للتأكيد على أن "البقاءَ للأصلح"؛ وذاك لا جدال مبدأ أدقّ وأشمل؛ لكن هذه النظريَّاتِ والفرضيَّاتِ على مرّ العصور واختلاف الأزمان، لم تذكر أن الأقل معرفةً وحِكمةً ورزانة، والأكثر رعونةً وغوغائية؛ هو الأقدر على البقاء. تلك مُعضلةٌ جديدة لا يُرجى لها حلٌّ سوى أن يهويَ الرديءُ من عليائه المزيفة؛ فتعود الحياةُ إلى نقطة الاتزان. • • •كثيرًا ما سَمِعت من جدَّتى أمثولةً طريفةً تقول: "ما يقعد ع المَداوِد إلا شرّ البقر". المَداوِد جمع مدود، وهو المكان الذى يُعقَد رباط المواشى حوله، والمراد أن أطيبها وأكثرها أصالة وقدرة على التحمُّل؛ يغادر موضعه لينخرط فى العمل، فيحرثُ الأرضَ وينقل العلفَ والتّبن، ويدور بالسَّاقية دون كللٍ أو مَلل، أما الذى يرفضُ القيامَ بالمهام الشاقة أو تكون حركتُه بطيئة مُتكاسِلة أو مُتعثرة؛ فيبقى فى مكانه مُستقرًا هانئًا، يرعى ويأكل من نصيبِه وأنصبةِ الآخرين؛ ويعيش مدةً أطول بغير أن تأتيَ من ورائه فائدة. • • •فى ثقافتنا العامَّة ما يشير دومًا لأن الطيبين يرحلون سريعًا؛ كأنهم لا يحتملون قسوةَ الحياة وعنفَ اختباراتِها، كأن مكانهم فى عالم أنقى وأرحَب، وفى هذا الإطار يؤمن عديد الناس بأن الموتَ يخطف باستمرار الأفضل، بينما يُواصِل الطريقَ من هم أقل صلاحًا وأعتم ضميرًا، فإن مات عزيز لديهم؛ واسوا أنفسهم بأنه بات فى مكانة سامية، وبأنه سينال ما تأجل فى حياته من جوائز.• • •يعرف المُتمرّسون أن البيضةَ فاسدةٌ عبر اختبار بسيط، يمكن إيجازه فى المثل القائل: "ما يعوم على وِشّ المَيه إلا البيض المِمَشش"، والقولة بمنزلة حقيقة علمية مثبتة؛ فالبيض متى فَسَد تغيَّرت خواصُّه؛ تعطَّنت رائحتُه وسال قوامُه، وربما اختلطت مكوناتُه المُنفصِلة وتداخَلت. يحدث أيضًا أن يخفَّ وزنه فتتمكن المياه من حمله إلى سطحها، ويعاف عن طهوه الناس. طفو البَيضة يعنى ببساطة أن تُترَكَ فلا يأكلها أحد؛ وقد جرى العرف على أن نستخدمَ هذا المثلَ فى أحاديثنا كمجاز؛ فندلل به على الشَّخص الفاسد الذى يظهر بوضوح لكل ذى نظر، يفضحه باطنه ويكشفه على الملأ، دون حاجة إلى بَحثٍ وفَحصٍ أو تنقيب، يمارس دوره دون أن يحتجب ويبقى فى مكانه دون مَساس.
مقالات اليوم محمود قاسم اللقاء الأخير محمد زهران مثلث العلم والتكنولوجيا والاقتصاد ناجح إبراهيم على الشريف يودع ساقه والحياة ليلى إبراهيم شلبي رمضان كريم.. من وحى إفطار أهل المطرية الجماعى معتمر أمين كابوس هرمز.. عندما تتحول الطاقة إلى وقود للحرب عمرو حمزاوي حرب إيران.. عقارب الساعة إلى الوراء مرة أخرى جيهان أبو زيد من غزة إلى إيران.. صناعة الموت الرقمى
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك