x قد يعجبك أيضا

كابوس هرمز.. عندما تتحول الطاقة إلى وقود للحرب

الجمعة 20 مارس 2026 - 5:51 م

فى اللغة العربية، هناك فعل نادر الاستخدام، لكنه يحمل دلالة عميقة: «هَرْمَزَتِ النَّارُ»، أى خف لهبها وخمدت. الفعل مشتق من الجذر نفسه الذى اشتُق منه اسم المضيق، وكأن فى تسميته وعدًا بإخماد الحرائق وتهدئة الأوضاع. لكن الواقع على الأرض يسخر من هذه الدلالة اللغوية؛ فمضيق هرمز اليوم تحول إلى شعلة مركزية تغذى حريقًا هائلًا يلتهم المنطقة بأكملها.
ومنذ اللحظة التى هددت فيها إيران الملاحة فى المضيق، الذى يعبره نحو 27% من تجارة النفط الخام العالمية و20% من تجارة الغاز الطبيعى المسال، تعرضت 14 سفينة تجارية على الأقل لهجمات عنيفة، وسقط 8 بحارة قتلى، ومن ثم تراجعت حركة الشحن بنسبة 97%. وبالرغم مما يُقال عن «التدمير الشامل للبحرية الإيرانية»، فإن زوارق الحرس الثورى السريعة تملأ المضيق، وتزرع ألغامه البحرية فى المياه، رغم تواجد السفن الحربية الأمريكية بكثافة فى محاولة لفرض معادلة جديدة. لكن يبدو أن واشنطن تواجه صدمة حقيقية جُرت إليها إسرائيل؛ فإيران ليست عدوًا تقليديًا يمكن تطويقه بسهولة، بل هى دولة تمتلك أوراق قوة حقيقية، أبرزها قدرتها على تعطيل شريان الحياة للاقتصاد العالمى.
العرض الكلى للمضيق لا يتجاوز 33 كيلومترًا، لكن ممرات الشحن فيه لا يتعدى عرضها كيلومترين فقط فى كل اتجاه. هذا يعنى أن أى هجوم ناجح يمكن أن يشل حركة الملاحة لأيام أو أسابيع. ويشكك الخبراء العسكريون فى قدرة الولايات المتحدة على إعادة فتح المضيق بالقوة وحدها؛ فهذه مسألة حسابات معقدة. فبإمكان البحرية الأمريكية اقتحام المضيق وتنفيذ إنزال على بعض جزره، فى عرض مثير للقدرة القتالية، لكن هذا ليس ضمانًا لأى شىء. فالتحدى الحقيقى يكمن فى حرب العصابات البحرية التى تمارسها إيران: زوارق سريعة مسلحة، وصواريخ كروز مضادة للسفن منتشرة على الساحل، وأخطرها الألغام البحرية الرخيصة التى يمكن برمجتها لاستهداف أنواع معينة من السفن. ففى عام 1988، أحدث لغم إيرانى كلف 1500 دولار فقط أضرارًا بمدمرة أمريكية قُدرت تكلفة إصلاحها بـ 96 مليون دولار.
• • •
تجد دول الخليج العربى نفسها فى موقف بالغ الصعوبة. فمن ناحية، لم تطلب الحرب أصلًا، بل دافعت عن إيران وعارضت التصعيد فى البداية. لكن إيران بدأت بتوجيه ضرباتها إليها، مستهدفة المطارات والموانئ والمراكز التجارية فى جميع دول الخليج، كرد فعل على نشاط القواعد الأمريكية. ثم ازداد تعقيد الموقف باستهداف إسرائيل حقل «بارس الجنوبى» العملاق، المسئول عن 80% من الكهرباء فى إيران، بعلم الرئيس ترامب، الذى أرسل رسالة واضحة: «ستستمر الضربات طالما أُغلق المضيق». وعزز ذلك بطلب ميزانية طارئة قيمتها 200 مليار دولار لمواصلة الحرب، تقدمت بها وزارة الدفاع الأمريكية إلى الكونجرس، وذلك رغم وصف قطر والإمارات لهذا الاستهداف بأنه تصعيد خطير.
لم يتأخر الرد الإيرانى على استهداف حقل بارس، إذ اعتبرته بمثابة إعلان حرب اقتصادية شاملة. وبعد ساعات قليلة، حلَّق صاروخ إيرانى فوق قمة عربية - إسلامية منعقدة فى الرياض لوزراء الخارجية، وكاد أن يحول اجتماعهم إلى كارثة دبلوماسية كبرى. وتم اعتراض ستة صواريخ باليستية كانت متجهة نحو قاعدة الأمير سلطان الجوية. كما تعرضت منشآت نفطية فى السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين لهجمات صاروخية. وفى الفجيرة بالإمارات، تصاعد الدخان الأسود من محطة نفط كبرى، وفى الكويت تعرض مطار دولى لهجوم بطائرة مسيرة أضرَّ بنظام الرادار، ما يعنى تلاشى الخطوط الحمراء، حيث أصبح كل شىء هدفًا مشروعًا.
وفى السياق نفسه، لم تسلم إسرائيل من وابل الصواريخ الذى اخترق سماء تل أبيب دون اعتراض يُذكر، ما يؤكد صحة التقارير السابقة عن نفاد مخزوناتها من الدفاعات الجوية. وقد انعكس هذا التصعيد فورًا على الأسواق، إذ تجاوز سعر النفط حاجز 111 دولارًا للبرميل وسط ضغوط متبادلة؛ حيث تضغط واشنطن على دول الخليج للانضمام رسميًا إلى الحرب، لكنها مترددة وتحتفظ بحق الرد. وفى المقابل، تضغط بعض دول الخليج على واشنطن لعدم التوقف قبل «تحييد» إيران بشكل كامل، خوفًا من بقاء طهران قادرة على تهديد الملاحة النفطية مستقبلًا.
• • •
ما تفعله إيران اليوم ليس مجرد رد فعل عشوائى، بل استراتيجية قائمة على فكرة: «إذا أخذت إيران الاقتصاد العالمى رهينة، فإن ترامب سيتراجع قبلها». تعتمد هذه الاستراتيجية على حرب لا مركزية، باستخدام موجات من الصواريخ والمسيَّرات منخفضة التكلفة، المنتشرة على جبهات متعددة، بهدف إحداث ألم اقتصادى عالمى يزيد الضغط على واشنطن لإنهاء الحرب. وقد نجحت إيران بالفعل فى إحداث هذا الألم؛ فسعر برميل النفط يتزايد، وبعض التوقعات تشير إلى احتمال وصوله إلى 200 دولار.
العالم بأسره يدفع الثمن، لكن آسيا تدفع أكثر. فدول شرق آسيا تستورد نحو 60% من نفطها من الشرق الأوسط. والصين تعتمد على قطر والإمارات فى نحو 30% من وارداتها، بينما تستورد اليابان 75% من نفطها من المنطقة، كما تعتمد كوريا الجنوبية بشكل كبير على الغاز القطرى والإماراتى لتوليد الكهرباء. وتستورد الهند أكثر من 55% من نفطها الخام من الشرق الأوسط، كما أن أكثر من 50% من وارداتها من الغاز المسال تأتى من قطر والإمارات، لتغذية محطات الكهرباء وإنتاج الأسمدة. وقد دفع هذا الوضع وكالة الطاقة الدولية إلى إطلاق أكبر عملية سحب منسقة من الاحتياطيات الاستراتيجية فى تاريخها، بإجمالى 400 مليون برميل.
• • •
السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: كيف يمكن الخروج من هذا المستنقع؟ يبدو أن الباب الوحيد للخروج من هذه الحرب يضيق يومًا بعد يوم. ويرى الخبراء أن الحل العسكرى غير ممكن دون نشر قوات برية على جانبى المضيق، ومن ثم قد يكون الحل الوحيد اتفاقًا دبلوماسيًا، شبيهًا بالاتفاق الذى أنهى هجمات الحوثيين فى البحر الأحمر العام الماضى. لكن حتى الآن، تعيش الأطراف المعنية حالة من الاستنزاف غير المسبوق: الخليج يدفع ثمنًا باهظًا من أمنه واستثماراته، وإيران تواجه حرب وجود حقيقية تستهدف قادتها وبرنامجها النووى ونظامها، والولايات المتحدة ترى هيبتها العسكرية تتآكل يومًا بعد يوم، وإسرائيل، التى تبدو المحرك الأساسى لهذه الحرب، تراهن على إطالة أمد الصراع لاستنزاف الجميع وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها.
ما يحدث اليوم فى مضيق هرمز، وما حوله من منشآت نفطية وغازية، ليس مجرد حلقة جديدة فى صراع قديم، بل هو إيذان بدخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الفوضى وعدم اليقين؛ مرحلة تتجاوز فيها الخسائر الاقتصادية مكاسب أى طرف، وتصبح فيها القدرة على تدمير العدو هى الهدف الوحيد، بغض النظر عن الثمن. فى هذه الأيام الصعبة، يبدو أن العقلاء فى المنطقة والعالم مطالبون بوقف هذا الجنون قبل أن تتحول نيران الطاقة إلى رماد يغطى الجميع.


باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة